
37,667 مشاهدة
بقلم : أكرم مندامي زين الدين
لم يكن الخريف أول من طرق أبوابي، لكنه كان أول من دخل دون أن أجد في نفسي القدرة على إغلاقها. فقد اعتدتُ أن أعبر الفصول كما أعبر العواصف، أترك للرياح ما تستطيع انتزاعه، وأمضي بما بقي مني، حتى جاء خريف لم يكتفِ بما تساقط من الأشجار، بل أخذ يكشف ما تساقط من عمري. وبين صيفٍ يشدّني بجماله وشتاءٍ أسمع وقع رياحه قبل وصولها، وجدتني واقفًا في المنتصف، أحمل في أعماقي بركانًا من الزمهريرة، وأجمع أوراقًا لم تعد قادرة على ستر ما أخشاه.
كنت أحيك من نقاط أوحال المطر غطاءً، وأقف في وجه السيول حتى أسمع طقطقة أضلعي، ومن قلب العواصف كانت تصلني أصوات تقول: لن ينجو هذه المرة. ونجوت. وبين المكائد والمصالح، دُسّ السمّ في شرابي، ولم يكن أحد يتصور أنني سأعود، وعدت. لم تتغير بسمتي حتى حين غُبنت، ولم يكن الذين يرونها يعرفون كم كلّفتني المحافظة عليها. لم تكن النجاة في كل مرة تعني أنني خرجت سالمًا، فقد كانت العواصف تمضي وتترك في داخلي ما لا تراه العيون، حتى أصبح بعض ما ظننته قد انتهى ينهض من جديد كلما سكنت الرياح.
ولعلّ أقسى ما يفعله الخريف أنه لا يقتلع الشجرة، بل يتركها واقفة لترى ما يتساقط منها. وأنا الذي اعتدت مواجهة العواصف بوجه لا تغادره الابتسامة، بدأت أشعر أن ما يتساقط مني لم يكن أوراقًا وحدها. كانت أشياء عشت طويلًا وأنا أحسبها جزءًا لا ينفصل عني، ووجوهًا وأيامًا ووعودًا حملتها معي من فصل إلى آخر، حتى جاء الخريف يجرّدها مما ألبستها إياه من أمل. ولم أكن أعرف أيهما أشد قسوة: أن أفقد ما تعلقت به، أم أن أكتشف أنني كنت أتمسك به بعد أن بدأ يفلت من يدي.
وأنا ابن تلك السواحل التي خرجت منها السفن الفينيقية إلى رحابة المتوسط، لم يكن البحر الذي ورثت حكاياته عن أجدادي مجرد مياه زرقاء تمتد حتى يضيع الأفق. فقد عرفت من الحياة أمواجًا لم تكن أقل بطشًا من أمواجه، وأشرعةً اعتدت إحكام حبالها، ودفةً طالما استعنت عليها بعينيّ وحدسي وبصيرتي. كنت أظن أنني أعرف البحر بما يكفي لأقرأ تقلباته، وأن ما اجتزته من عواصف يمنحني قدرة أكبر على مقارعة ما سيأتي. لكنني لم أكن أعلم أن السفينة قد تبدأ بالتفكك وهي لا تزال تمخر عباب البحر، وأن انهيارها لا يبدأ بالضرورة من الموجة التي تحطمها.
كان الزمن يجد في كل لوح من أخشابها مسمارًا يتسلّى بخلخلته بين الحين والآخر، دون أن ينتزعه دفعة واحدة. مسمار اليوم، وآخر بعد مدة، حتى أخذت الألواح تفقد تماسكها، فيما ظلت الأشرعة مرفوعة والسفينة تواصل رحلتها. لم أكن أنا من فكّ مساميرها، لكنني لم أنتبه إلى ما كان يحدث تحت قدمي. كنت في سباق مع الزمن، أحاول أن أنقل ما حملته من الماضي إلى المستقبل، وأحسب أن كل ميل أقطعه يقرّبني مما أردت الوصول إليه. كنت أشدّ الحبال كلما ارتخت، وأرفع الأشرعة كلما انحنت، وأواصل الإبحار، بينما كانت أخشاب السفينة تفقد شيئًا من قدرتها على الاحتمال.
وكان على متنها من رافقوني في الرحلة، ومن اعتادوا الاطمئنان إلى أن يديّ ما زالتا ممسكتين بالدفة. رأوا ابتسامتي، ولم يعرفوا أثمانها، وحمّلوني ما يزيد على طاقة الإنسان، حتى كأن قدرتي على الاحتمال أصبحت أمرًا لا يحتاج إلى سؤال. ولم أكن أنا أيضًا أعرف أين ينبغي أن أتوقف، فقد اعتدت أن أجد في مواصلة الطريق جوابًا عن كل تعب. وهكذا مضت الرحلة، يحمل كل منا ما يظن أن الآخر قادر على حمله، فيما كانت السفينة تمضي بأخشاب لم يعد أحد يعرف مقدار ما بقي فيها من صلابة.
ولم تكن رحلات الفينيقيين مجرد سفن تحمل التجارة إلى المرافئ البعيدة. كان وراء كل شراع إنسان يترك أرضًا يعرفها إلى أفق لا يضمن له العودة، ويحمل في صدره من الذكريات ما تعجز أشرعته عن حمله. من صور وصيدا وجبيل، امتدت الطرق البحرية نحو قرطاج وسواحل المتوسط، وعبرت البضائع والحروف، وبقيت من تلك الرحلات آثار تخبرنا أين وصل أصحابها، لكنها لا تقول لنا دائمًا ماذا أصابهم في الطريق. ولعلّ أكثر ما يستوقفني في تاريخ تلك السواحل ليس أسماء الملوك الذين حكموا مدنها، بل أولئك الذين أمسكوا بأدوات الكتابة، وتركوا على الطين والحجر حروفًا استطاعت مقاومة الزمن، بينما غابت أسماؤهم عن ذاكرة البشر.
في جبيل، قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان كتّاب يدوّنون رسائل حاكمها ريب حدّا. وبعد قرون طويلة، استطاع الباحثون تمييز آثار أيدٍ مختلفة في تلك الرسائل، دون أن تصل إلينا أسماء أصحابها. وفي إحدى تلك الرسائل، صورة طائر وقع في الفخ، لا يجد سبيلًا إلى الإفلات. لم أستطع المرور على تلك الصورة دون أن أتوقف أمامها طويلًا. كم مرة حسبت النجاة من العاصفة انتصارًا، ولم أسأل نفسي إن كنت قد خرجت فعلًا من القفص؟ وكم مرة بلغت مرفأً ظننته نهاية التعب، فإذا بما حملته الرياح إلى داخلي يواصل الرحلة معي؟
وعرفت جبيل أيضًا نظامًا كتابيًا قديمًا ما زالت نصوصه عصيّة على القراءة العلمية المتفق عليها، كأن الزمن أبقى العلامات وأخذ معه مفاتيحها. ثم حملت الأبجدية الفينيقية بحروفها الاثنين والعشرين كلمات أهل تلك السواحل إلى آفاق بعيدة، وامتدت آثارها عبر المتوسط. حفظت الحجارة أسماء ملوك رحلوا منذ آلاف السنين، وغابت أسماء الأيدي التي حفرت حروفهم في الصخر. وما أغرب أن يبقى اسم من جلس على العرش، ويضيع اسم من نحت اسمه في الحجر؛ فيخلّد التاريخ صاحب التاج، وينسى اليد التي أبقت ذكره.
وكنت كلما فكرت في تلك الحروف، تخيلت صخرة يعثر عليها أحدهم بعد قرون، يتأمل ما بقي عليها من علامات، ويحاول أن يستخرج منها اسمًا أو حكاية. وربما ينجح في قراءة الحروف، لكنه يعجز عن معرفة الإنسان الذي تركها، وما الذي أراد أن يقوله لمن سيأتي بعده.
ومضت رحلتي، حتى جاء يوم بدأت فيه موازين الريح تميل على غير ما اعتدت. كنت أقاوم الموج الذي طالما أعجبتني زرقته، فإذا به يجتاح أشرعتي بلا رحمة. تشبثت بالدفة، وحاولت أن أستعين بعينيّ وحدسي وبصيرتي، لكن الرؤية أخذت تضيق، وما كان ينقذني في الرحلات السابقة لم يعد يسعفني كما عهدته. حتى الذين كانوا معي أخذ التعب منهم مأخذه، ولم أعد أرى في عيونهم ما يعين على مقارعة تلك الأمواج. دعوت لهم بالراحة، وبقيت أحاول تثبيت الحبال، فيما كانت السفينة تستجيب بصعوبة لكل حركة من يدي.
وحين بدأت الشمس تحتضر عند حافة البحر، رأيت النوارس تتهيأ لساعة المغيب. لم تكن تستقبل الليل، ولم تكن تبحث عن شاطئ تأوي إليه، بل كانت تنتظر ما ستتركه الأمواج من حطام. كنت أراها تحوم فوق السفينة، وأتساءل إن كانت قد أدركت ما لم أكن مستعدًا لإدراكه. فالطيور التي اعتدت أن أستدل بحركتها على اقتراب اليابسة، بدت هذه المرة كأنها تنتظر شيئًا آخر.
هل كانت النوارس تنتظر حطام السفينة، أم كانت تعرف شيئًا عن البحّار لم يكن هو نفسه مستعدًا لمعرفته؟
لم تكن الموجة التي اقتربت أعتى ما واجهته في حياتي، ولا أشدّ ما عرفت من قسوة البحر، لكنها جاءت في وقت لم تعد فيه أخشاب السفينة قادرة على احتمال ما تحمله. كنت أظن أنني أخوض عاصفة أخرى من تلك التي اعتدت الخروج منها، غير أن الأشرعة بدأت تنخلع واحدًا بعد الآخر، والحبال التي طالما أحكمت شدّها أخذت تفلت من مواضعها. حاولت أن أثبت ما استطعت، لكن الموجة كانت قد بلغت السفينة، ولم يعد ما بقي من أخشابها متماسكًا بما يكفي لمقاومتها. وما هي إلا لحظات حتى أخذت تتداعى من حولي، كأن السنوات التي أمضتها في الإبحار قد انكسرت دفعة واحدة.
وسقطت ساعة الرمل بعد انحدار آخر حباتها. وجدتني في عراك مع تلك الموجة اللعينة، تتقاذفني المياه بين ما تبقى من الألواح، حتى فقدت القدرة على التمييز بين السماء والبحر. وفي اللحظات التي بدأت فيها أنفصل عن العالم، راحت تمر أمام عيني أيام جميلة، وضحكات من أحببتهم، ووجوه لم أكن أعلم أن ذاكرتي احتفظت بتفاصيلها إلى ذلك الحد. رأيت من عمري ما لم يخطر لي أنني سأراه في لحظة واحدة، ثم تلاشت الصور، وغاب الوعي، وانقطع عني كل إحساس بالحياة.
لا أدري كم مضى من الوقت قبل أن أسمع أصوات النوارس من جديد. كان الليل قد دخل في طقوسه، وحاولت أن أفتح عينيّ بصعوبة، كأن الرمل قد اتخذ منهما مرتعًا. كانت كثيرة، تحوم حولي وتقتات من جسدي، ولم تكن لديّ القدرة على التركيز فيما تفعله، فضلًا عن دفعها عني. لم أعد أسمع صخب السفينة، ولا أصوات من كانوا عليها، ولم أعد أعرف أين انتهى البحر وأين بدأت اليابسة. حاولت أن أرفع رأسي، فلم أستطع، وأن أستعيد شيئًا من الرحلة، فتداخلت في ذاكرتي الأشرعة المتهاوية مع وجوه الذين أحببتهم. وهناك، وسط ذلك الصمت الذي أعقب العاصفة، فهمت أنني فُقدت، وأن الأمل بالعودة أخذ يغيب عني.
ولم أكن أعرف إن كان أحد سيبحث عن السفينة، أو إن كانت الأمواج ستترك من أخشابها ما يستطيع الوصول إلى شاطئ آخر. ربما يعثر أحدهم يومًا على لوح يحمل أثر يد، أو على صخرة بقيت عليها حروف لا يعرف صاحبها، فيقف أمامها كما وقف من قبله أمام آثار الفينيقيين. قد يقرأ ما بقي، وقد يعجز عن قراءته، لكنه لن يعرف كم مرة قاوم صاحب ذلك الأثر عاصفة، ولا كم حمل فوق طاقته، ولا ما الذي كان يحاول أن يبلغه. وربما لن يخطر له أصلًا أن وراء تلك البقايا إنسانًا كان له اسم ووجه وابتسامة، وأنه كان يومًا يقف على سطح سفينة يظن أن أمامه متسعًا من البحر والزمن.
وأخشى أن تأتي اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة، فيلتفت الذين اعتادوا رؤيتي واقفًا، ويسألون كيف حدث ذلك، ومتى بدأ، ولماذا لم ينتبهوا. وربما يبحثون عن كلمات يقولونها، لكنني أظن أنهم لن يجدوا الكلام. أما أنا، فلا أطلب من أحد شهادة براءة، ولا أبحث عن محكمة تنصفني بعد أن ينتهي كل شيء. لقد عشت بما لي وما عليّ، وأعرف من أخطائي ما لا يعرفه سواي، وأحمل مسؤوليتها دون أن أحمّل أحدًا وزرها. ومن منكم بلا ذنب، فليرجم قبري بحجر.
ولم أعد أعرف إن كان ما يحيط بي شاطئًا وصلت إليه، أم أن البحر لم ينتهِ بعد من رحلته معي. كان الرمل تحت جسدي، والنوارس فوقه، وما بقي من وعيي يتشبث بصورة سفينة لم أعد أسمع لها صوتًا. حاولت أن أتذكر كم بقي من الزمن، فلم أجد ساعة أنظر إليها، ولا دفة أمسك بها، ولا شراعًا أرفع عيني نحوه. كنت قد أمضيت عمري أسابق الزمن لأحمل الماضي إلى المستقبل، وها أنا لا أعرف إن كان المستقبل قد بدأ، أم أنني أصبحت شيئًا من الماضي الذي قد يعثر عليه أحدهم ذات يوم دون أن يعرف صاحبه.
لا أحد يعلم إن كانت في تلك اليابسة ساعة رمل أخرى، لكن الرمل، حين تنتهي الرحلة، قد يكون كفيلًا بالكفن.
* مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية
دبي، الإمارات العربية المتحدة
المقالات المرتبطة