بغداد ـ وداد إبراهيم:
تُعد أنفاق المشاة في بغداد من المشاريع الخدمية والحضرية المهمة التي أسهمت، في مراحل سابقة، في تنظيم حركة المواطنين والربط بين المناطق والشوارع الحيوية، فضلاً عن كونها أماكن ارتبطت بذاكرة البغداديين بما احتوته من محال تجارية ومرافق وخدمات، قبل أن تطالها أعمال التخريب والإهمال وتفقد جزءاً كبيراً من دورها.
ويبرز نفق ساحة التحرير بوصفه أحد أبرز تلك المعالم، إذ كان يمثل ممراً حيوياً للمشاة بين شارع الجمهورية وشارع السعدون مروراً بساحة التحرير، ويوفر للمتبضعين والمارة مساحة آمنة بعيداً عن حركة السيارات وإشارات المرور، إلى جانب وجود محال للمصورين والإكسسوارات والهدايا والمشروبات والعصائر وغيرها.
ويستعيد البغداديون اليوم تفاصيل ذلك النفق، مطالبين بإعادة تأهيله وفتحه أمام المواطنين، لما يمكن أن يمثله من وسيلة لتخفيف الازدحام وتنظيم حركة المشاة، فضلاً عن إعادة الحياة إلى أحد الأماكن التي بقيت حاضرة في الذاكرة البغدادية.
ويقول أسعد سلمان إن دخوله إلى النفق في السابق كان يمثل تجربة مختلفة، موضحاً: «كنت أدخل إلى النفق وأتجول أمام محال أنيقة ومرتبة، منها محال للمصورين وأخرى لبيع الميداليات والساعات، فضلاً عن مكتبات صغيرة ومحال لبيع التحف، مثل المزهريات وغيرها».
ويضيف أن تلك المحال كانت مستأجرة من أمانة بغداد، وكانت تستمر في العمل حتى ساعات متأخرة من الليل، مشيراً إلى أن أبواب النفق كانت تُغلق للحفاظ على المحال ومحتوياتها.
أما رفقة محمد، فتتذكر نزولها برفقة والدتها إلى النفق لعبور منطقة باب الشرقي والوصول إلى بداية شارع السعدون، قائلة إن أكثر ما كان يلفت انتباهها الحدائق التي كانت تتوسط النفق، فضلاً عن كثرة المارة.
وتوضح أن النزول إلى النفق كان يحمل متعة خاصة، «لأننا نكون بعيدين عن الشارع وفي مكان مليء بالمحال وأماكن الاستراحة»، مؤكدة أن المكان كان جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للبغداديين.
ويرى عبد الرحمن كريم، معلم، أن إعادة فتح الأنفاق وتأهيلها باتت ضرورة، داعياً إلى ترميمها والعناية بها وإعادة تأهيل المحال الموجودة داخلها، لما لذلك من أثر في تخفيف زحام المارة في المناطق المحيطة، والحد من انتشار البسطيات والمحال المتشابكة.
ويقول إن إعادة تأهيل نفق ساحة التحرير يمكن أن تنعكس على حركة الشارع الممتد «من ساحة الخلاني حتى شارع السعدون»، مقترحاً تجهيز الأنفاق بكاميرات للمراقبة، ونشر عناصر من الأمن والشرطة لحمايتها ومنع العبث والتخريب.
كما يقترح أن تتناسب طبيعة الأنشطة التجارية داخل النفق مع موقعه، مثل محال بيع الكاميرات والهواتف، إلى جانب أماكن للاستراحة تقدم القهوة والشاي والعصائر، مؤكداً ضرورة أن تحظى هذه المواقع باهتمام أمانة بغداد ورقابتها المستمرة للحفاظ عليها.
مشروع على مرحلتين
وبحسب ما يتذكره البغداديون، بدأ العمل في نفق ساحة التحرير على مرحلتين؛ تمثلت الأولى في إنشاء نفق للسيارات تحت ساحة التحرير، على امتداد خط ساحة الخلاني وساحة النصر، فيما تضمنت المرحلة الثانية إنشاء نفق للمشاة بمستوى وسطي بين نفق السيارات ومستوى الأرض.
وضم نفق المشاة حدائق ومحال تجارية ومرافق صحية، وانتشرت داخله محال لبيع التحف والهدايا والزهور، فضلاً عن صالونات الحلاقة الشبابية، وكانت المحال تسهم في الحفاظ على نظافة المكان، مع التزام أصحابها بالشروط التي وضعتها أمانة بغداد بشأن النظافة ونوعية النشاط التجاري.
ومن التفاصيل التي ما زالت عالقة في ذاكرة مستخدمي النفق، الهواتف العمومية التي وضعتها وزارة الاتصالات آنذاك، قبل أن تتعرض للتخريب والسرقة خلال أحداث عام 2003. كما طال العبث والتخريب السلالم الكهربائية الموجودة في النفق، لتنتهي لاحقاً إلى الإلغاء.
ولا تتوقف أهمية النفق عند جانبه الخدمي والتجاري، إذ يرى مواطنون أن إعادة تأهيله يمكن أن تمنحه دوراً جديداً يتلاءم مع احتياجات بغداد الحالية، عبر توفير ممرات آمنة ومنظمة للمشاة، وتنشيط الحركة التجارية، وتقليل التداخل بين حركة المواطنين والسيارات في واحدة من أكثر مناطق العاصمة ازدحاماً.
بصمة عراقية
وتشير المعلومات المتداولة عن المشروع إلى أن الشركة المنفذة كانت عراقية، كما كان كادر العمل عراقياً، إذ تولت شركة سامي علوان العاني للمقاولات تنفيذ المشروع، إلى جانب أعمال أخرى، من بينها نفق الشرطة، ونفق ساحة التحرير، وشارع المحيط في الكاظمية.
وبين ذاكرة المكان وحاجات المدينة الراهنة، تبدو أنفاق بغداد أمام فرصة لاستعادة دورها، ليس بوصفها مجرد ممرات تحت الأرض، وإنما جزءاً من البنية الخدمية والتراث الحضري للعاصمة، إذا ما أُعيد تأهيلها وفق متطلبات الأمن والنظافة والخدمات الحديثة.