بغداد ـ زينب الحسني:
بينما كنت أبحث في «يوتيوب» عن مقطع تعليمي لا علاقة له بالدراما، استوقفني مشهد من مسلسل «ليالي الحلمية». لم أتردد في الضغط عليه، وما إن انطلقت شارة البداية حتى وجدت نفسي أترك ما كنت أبحث عنه، وأعود سنوات طويلة إلى الوراء.
عادت إلى ذهني أيام الطفولة، حين كانت الأسرة تجتمع أمام شاشة التلفاز بانتظار الحلقة الجديدة، وكأن الزمن عاد للحظة. والمفارقة أنني كنت أعرف كل شيء؛ أعرف الشخصيات، وأحفظ الأحداث، وأدرك النهاية، ومع ذلك تابعت الحلقة بشغف، ثم وجدت نفسي أواصل مشاهدة الحلقات واحدة تلو الأخرى.
عندها راودني سؤال بسيط: لماذا نعود إلى المسلسلات القديمة رغم أننا نعرف نهاياتها؟
السؤال يصف ظاهرة يعيشها ملايين المشاهدين، فما تزال الأعمال الدرامية القديمة تستحوذ على اهتمام الجمهور كلما أُعيد عرضها على الشاشات أو أتاحت المنصات الرقمية الوصول إليها.
فما بين الحنين إلى الماضي، والبحث عن الطمأنينة، وجودة النصوص والأداء، تواصل هذه الأعمال حضورها في ذاكرة المشاهد، مؤكدة أن بعض الأعمال الفنية لا يحدها الزمن.
ويُعد مسلسل «ليالي الحلمية» واحدًا من أبرز النماذج على ذلك؛ فما تزال شخصياته وأحداثه وشارة بدايته قادرة على استحضار ذكريات جيل كامل، رغم مرور عقود على عرضه الأول. ولم يكن العمل استثناءً، إذ ما تزال عشرات المسلسلات العربية تحظى بالمشاهدة المتكررة، وكأنها تُعرض للمرة الأولى.
ومن هنا أعدت «الصباح الجديد» هذا التقرير للبحث عن سر هذا الارتباط المستمر بالأعمال الدرامية القديمة، ولماذا يجد المشاهد نفسه راغبًا في العودة إلى قصة يعرف تفاصيلها ونهايتها مسبقًا.
الأمان النفسي
المعالج النفسي الدكتور حسن ناصر عبد الوهاب تحدث لـ«الصباح الجديد»، قائلًا إن إعادة مشاهدة المسلسلات القديمة ظاهرة شائعة، ولا ترتبط بالحنين إلى الماضي فحسب، بل تعكس، في بعض الحالات، حاجة نفسية إلى الشعور بالراحة والأمان.
وأوضح أن المشاهد يعرف الشخصيات والأحداث والنهاية، ولذلك يتابع العمل من دون حالة الترقب والقلق التي ترافق مشاهدة عمل جديد، وهو ما قد يمنحه شعورًا بالاستقرار والراحة النفسية.
وأضاف أن هذه الأعمال ترتبط لدى كثير من الأشخاص بذكريات عائلية أو مراحل سعيدة من حياتهم، لذلك فإن مشاهدتها قد تستحضر مشاعر إيجابية وتخفف من ضغوط الحياة اليومية، فضلًا عن منح العقل مساحة للاسترخاء بعيدًا عن زخم الأخبار والمحتوى السريع الذي تفرضه المنصات الحديثة.
وبيّن عبد الوهاب أن العودة إلى المسلسلات القديمة لا تعني بالضرورة رفض الأعمال الجديدة، بل يمكن أن تكون وسيلة لتحسين المزاج واستعادة الإحساس بالطمأنينة، ما دامت لا تتحول إلى هروب دائم من الواقع أو تؤثر في ممارسة الحياة الطبيعية والتفاعل مع الحاضر.
أعمال “بصدق وإخلاص”
ولا يبدو أن ارتباط الجمهور بالأعمال القديمة قائم على العامل النفسي وحده، إذ يرتبط كذلك بجودة ما قدمته تلك الأعمال من نصوص وشخصيات وقضايا اجتماعية.
وفي تصريح سابق، قال الفنان كمال أبو رية إن عودة المسلسلات القديمة بقوة ليست مصادفة، لأنها «قُدمت بصدق وإخلاص، وناقشت هموم الناس بعمق وبساطة»، مؤكدًا أن «العمل الصادق يعيش دائمًا، لأن الناس يجدون فيه أنفسهم مهما مر الزمن».
وفي السياق نفسه، قال الفنان جاسم النبهان إن الأعمال التراثية والقديمة تحقق نسب مشاهدة مرتفعة عندما تتوافر فيها عناصر فنية متكاملة، موضحًا أن الكبار يشاهدونها بدافع الحنين إلى الماضي، فيما يتابعها الشباب لاكتشاف زمن لم يعيشوه.
وشدد النبهان على أن الحنين وحده لا يصنع نجاح العمل، وإنما يسهم فيه النص القوي والإخراج الجيد وتكامل العناصر الفنية.
ما الذي يحدث في ذاكرتنا؟
ولا يقتصر تفسير الظاهرة على الانطباعات الشخصية، إذ تناول علم النفس فكرة تفضيل الإنسان للأشياء المألوفة، وهي الظاهرة المعروفة باسم «أثر التعرض المحض» (Mere Exposure Effect)، والتي تشير إلى ميل الإنسان إلى تطوير تفضيل أكبر تجاه الأشياء التي يتعرض لها بصورة متكررة.
ومن هذا المنطلق، فإن مشاهدة مسلسل ارتبط بمرحلة معينة من حياة الشخص قد لا تعني مجرد متابعة أحداث سبق أن عرفها، وإنما إعادة الاتصال بالمشاعر والذكريات التي صاحبت المشاهدة الأولى.
وهناك أيضًا ما يُعرف بـ«إعادة الاستهلاك» (Reconsumption)، أي العودة إلى الأفلام أو المسلسلات أو الأعمال الفنية التي سبق مشاهدتها، ليس فقط لمعرفة الأحداث، وإنما لاستحضار الذكريات والتأمل في التحولات التي طرأت على حياة المشاهد نفسه.
وفي دراسة نُشرت عام 2012، بحثت كريستل أنتونيا راسيل وسيدني جيه ليفي، من جامعة أريزونا، دوافع إعادة استهلاك المنتجات الثقافية، ووجد الباحثان أن العودة إلى الأعمال التي سبق استهلاكها يمكن أن ترتبط بالذكريات الشخصية وبالتأمل في مراحل الحياة والتغيرات التي مر بها الإنسان.
وهكذا، قد لا تكون عودتنا إلى المسلسلات القديمة بحثًا عن نهاية نعرفها أصلًا، بقدر ما تكون بحثًا عن شيء آخر: عن أنفسنا في زمن مضى، وعن وجوه أحببناها، وأصوات ألفناها، وبيوت كانت تجمعنا، وأيام تبدو اليوم أبسط مما كانت عليه.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا نشاهد المسلسل القديم مرتين بالطريقة نفسها؛ فالقصة لم تتغير، لكن نحن الذين تغيرنا.