بغداد ـ الصباح الجديد:
«نارك… قلبي نارك».. عبارة قصيرة خرجت من مشهد تلفزيوني عراقي، لكنها لم تغادر ذاكرة الجمهور رغم مرور عقود على عرضها. تحولت الجملة، التي قيلت بعفوية أمام الكاميرا، إلى علامة مرتبطة باسم الفنان عزيز كريم، حتى إن كثيرين ما زالوا ينادونه بها إلى اليوم، مستعيدين واحدة من لحظات التلفزيون العراقي التي صنعتها البساطة وخفة الظل وقرب الشخصيات من حياة الناس.
كانت العبارة جزءاً من تمثيلية «السينما»، التي كتبها الفنان الراحل سليم البصري وأخرجها فلاح زكي، وشارك في بطولتها عزيز كريم ومحمد القيسي والفنانة الراحلة أمل طه في بداياتها الفنية، إلى جانب عدد من الفنانين العراقيين.
تدور أحداث التمثيلية في إطار اجتماعي كوميدي بسيط، حول عائلة تقصد دار السينما، لتبدأ سلسلة من المواقف الطريفة المستمدة من تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين. وعلى الرغم من بساطة الفكرة، استطاع العمل أن يحقق حضوراً لافتاً بفضل عفوية الأداء وخفة الحوار وشخصيات بدت قريبة من المشاهد، وكأنها أفراد من عائلته أو جيرانه.
عبارة خرجت من النص
لم تكن عبارة «نارك… قلبي نارك» موجودة في النص الأصلي، بحسب ما أوضحه الفنان عزيز كريم، وإنما جاءت بصورة عفوية أثناء الأداء، قبل أن تنفصل عن سياق المشهد وتبدأ حياتها الخاصة في ذاكرة الجمهور.
ولعل هذه العفوية كانت واحدة من أسرار نجاح جانب من الأعمال التلفزيونية العراقية في تلك المرحلة؛ فالحوار لم يكن يبدو مصطنعاً أو بعيداً عن لغة الناس، وبعض العبارات كانت تجد طريقها سريعاً إلى التداول اليومي، وتعيش خارج الشاشة بعد انتهاء العرض.
وهكذا لم تعد «نارك… قلبي نارك» مجرد جملة في تمثيلية قديمة، بل أصبحت جزءاً من صورة الفنان عزيز كريم في ذاكرة الجمهور، ودليلاً على قدرة لحظة عفوية واحدة على صناعة حضور يستمر سنوات طويلة.
أمل طه.. بداية أمام الكاميرا
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بتمثيلية «السينما» الفنانة الراحلة أمل طه، التي كانت في بداياتها الفنية عندما شاركت في العمل.
ويستعيد المخرج فلاح زكي، مخرج التمثيلية، تفاصيل اختياره لها، مشيراً إلى أنها لفتت انتباهه بخفتها وعفويتها، فقرر منحها فرصة الظهور أمام كاميرات التلفزيون. ولم تكن تلك المشاركة مجرد حضور عابر، بل شكلت محطة مهمة في بدايات مسيرتها الفنية، قبل أن تصبح لاحقاً واحدة من الوجوه المعروفة في الدراما والكوميديا العراقية.
وتكشف تجربة «السينما» جانباً من طبيعة العمل التلفزيوني في تلك الفترة، حين كانت السهرة التلفزيونية تمنح الفنان مساحة لتقديم شخصية متكاملة، كما تتيح للوجوه الجديدة فرصة الظهور والتجربة، فيجد بعضها طريقه سريعاً إلى قلوب المشاهدين.
حين كانت السهرة تكفي
لم تكن «السينما» حالة منفردة، وإنما جاءت ضمن مرحلة ازدهرت فيها التمثيلية التلفزيونية ذات الحلقة الواحدة، التي تقدم حكاية متكاملة خلال سهرة واحدة، وتمزج بين الكوميديا والدراما والقضايا الاجتماعية والإنسانية.
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، احتلت هذه الأعمال مكانة خاصة في البيت العراقي. كان موعد العرض مناسبة تجتمع فيها العائلة أمام الشاشة، تبدأ الحكاية وتنتهي في المساء نفسه، وتبقى بعض شخصياتها وعباراتها حاضرة في الأحاديث اليومية.
كانت تلك الأعمال تعتمد في كثير من الأحيان على فكرة بسيطة، لكنها تمنح الممثل والحوار مساحة واسعة لصناعة الموقف. ولهذا بقيت بعض المشاهد والعبارات عالقة في الذاكرة، حتى بعد تغير شكل الإنتاج التلفزيوني وتبدل أدوات المشاهدة.
من السهرة إلى المسلسل والمنصة
مع مرور السنوات، بدأت التمثيلية ذات الحلقة الواحدة تتراجع تدريجياً أمام انتشار المسلسلات متعددة الحلقات، وتغير آليات الإنتاج والعرض، ثم جاءت المنصات الرقمية لتفتح أمام المشاهد خيارات واسعة وتفرض إيقاعاً جديداً على صناعة الدراما.
ويربط الكاتب والسيناريست صباح عطوان، في تصريح سابق، تراجع الأعمال الدرامية بتغير آليات الإنتاج، مشيراً إلى أن الأولوية أصبحت في كثير من الأحيان للربح المادي على حساب جودة النص، فضلاً عن تراجع الاهتمام بالخبرات الفنية وسيطرة العلاقات الشخصية على بعض مفاصل الإنتاج.
في المقابل، يرى نقاد ومتابعون أن المسألة لا تتعلق بالإنتاج وحده، بل بتغير ذائقة الجمهور أيضاً؛ فالمشاهد بات أكثر ميلاً إلى الأعمال الطويلة التي تتيح له متابعة الشخصيات وتطور الأحداث، فيما فرضت المنصات الرقمية إيقاعاً مختلفاً على الكتابة والإنتاج والمشاهدة.
ومع ذلك، بقيت السهرة التلفزيونية القديمة حاضرة في الذاكرة، لا بوصفها شكلاً إنتاجياً مضى فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية لجيل كامل. وربما لهذا السبب ما زالت عبارة مثل «نارك… قلبي نارك» قادرة على استدعاء مشهد كامل من زمن كانت فيه جملة عفوية، أو ضحكة عابرة، كافية لتبقى في ذاكرة العراقيين عقوداً طويلة.