بغداد ـ يسار السياب:
شكّلت البروفيسور بهيجة أحمد شهاب (1932-2012) واحدة من أبرز رائدات علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية في العراق، إذ ارتبط اسمها بتأسيس هذا التخصص أكاديميًا، وإعداد أجيال من الباحثين، فضلاً عن إسهاماتها في الدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة على مدى أكثر من خمسة عقود.
وتُعد شهاب من أوائل الأكاديميات اللواتي أسهمن بتأسيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب بجامعة بغداد خلال خمسينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت بدايات تشكل المدرسة العراقية في علم الاجتماع، إلى جانب نخبة من رواد هذا التخصص.
وبدأت مسيرتها العلمية بالحصول على شهادة البكالوريوس في القانون عام 1954، قبل أن تنال دبلومًا عاليًا في الخدمة الاجتماعية من جامعة كاليفورنيا، لتعود إلى العراق حاملة رؤية حديثة لتطوير هذا الحقل وربطه باحتياجات المجتمع.
وتتلمذت على يد عدد من أبرز علماء الاجتماع العراقيين، منهم علي الوردي وعبد الجليل الطاهر وشاكر سليم وحاتم الكعبي، ثم أصبحت زميلة لهم في التدريس والبحث العلمي، وأسهمت في ترسيخ الدراسات الاجتماعية بوصفها أداة لفهم المجتمع ومعالجة قضاياه.
وعُينت معيدة في كلية الملكة عالية، التي عُرفت لاحقًا بكلية البنات، وأسهمت بالتعاون مع خبراء هيئة الأمم المتحدة في تأسيس قسم الخدمة الاجتماعية، في خطوة أسهمت في إعداد كوادر متخصصة للعمل في مؤسسات الرعاية والتنمية الاجتماعية.
وخلال المدة بين عامي 1963 و1966، شغلت منصب معاونة عميدة كلية البنات، برئاسة الدكتورة سعاد خليل إسماعيل آنذاك، كما تولت رئاسة قسم الخدمة الاجتماعية وعدد من الأقسام الأخرى، إلى جانب عضويتها في الدائرة العلمية للإنسانيات.
وعلى امتداد مسيرتها الأكاديمية، درّست مقررات علم الاجتماع والدراسات العليا، وأشرفت على عدد كبير من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وأسهمت في تخريج أجيال من الباحثين والأكاديميين الذين واصلوا مسيرة تطوير هذا التخصص في الجامعات العراقية.
وعُرفت الراحلة بإيمانها بأهمية العمل الميداني، إذ كانت ترى أن فهم المشكلات الاجتماعية يبدأ من الواقع، وأن التنمية الحقيقية تقوم على التفاعل مع المجتمع والاستماع إلى احتياجاته، كما كرّست جهودها للدفاع عن العدالة الاجتماعية، ولا سيما القضايا المتعلقة بتمكين المرأة في العراق والعالم العربي.
وشاركت في العديد من المؤتمرات والفعاليات العلمية، من بينها المؤتمر الإقليمي الثالث للمرأة في الخليج والجزيرة العربية الذي عقد في أبوظبي عام 1984، وقدمت خلاله دراسة تحليلية بعنوان “قضايا المرأة في منطقة الخليج العربي”.
كما تركت إرثًا علميًا بارزًا من المؤلفات التي ما زالت تُدرّس في أقسام علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، من أبرزها “مدخل إلى الخدمة الاجتماعية” و”ميادين الخدمة الاجتماعية” الصادران عام 1982، وكتاب “الخدمة الاجتماعية” الذي ألّفته بالاشتراك مع الدكتورة إحسان الحسن عام 1990، فضلاً عن بحثها “النقلة الحضارية للمرأة في قانون التعديل الثاني لقانون الأحوال الشخصية”.
واستمرت بهيجة أحمد شهاب في التدريس بجامعة بغداد حتى صيف عام 2007، قبل أن تضطر إلى مغادرة العراق بسبب تدهور الأوضاع الأمنية. وكانت آخر مناصبها أستاذة في قسم علم الاجتماع بكلية الآداب ورئيسة فرع الخدمة الاجتماعية، متخصصة في مجال تنمية وتنظيم المجتمع.
وبرحيلها عام 2012، فقد العراق إحدى أبرز رائدات العلوم الاجتماعية، إلا أن إرثها الأكاديمي والفكري ظل حاضرًا في الجامعات العراقية، من خلال مؤلفاتها وطلبتها وإسهاماتها التي أسست لمدرسة علمية تركت أثرًا عميقًا في دراسة المجتمع العراقي وخدمته.