بغداد ـ زينب الحسني:
بين خشبة المسرح وشاشات الهواتف، يواجه مسرح الطفل في العراق تحديات متزايدة تهدد حضوره واستمراريته، بعدما كان يشكل مساحة للمتعة والخيال والتفاعل، فيما أسهمت منافسة المحتوى الرقمي وضعف التمويل والإنتاج وغياب التخطيط والاستمرارية في تراجع حضوره خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مختصون وفنانون أن مسرح الطفل لا يمثل ترفاً فنياً، بل يؤدي دوراً تربوياً وثقافياً مهماً في بناء شخصية الطفل، من خلال تعزيز الثقة بالنفس وتنمية الخيال والقدرة على التواصل والتعبير، إلى جانب غرس القيم وتنمية الذائقة الفنية والثقافية.
وفي استطلاع أجرته «الصباح الجديد» حول واقع مسرح الطفل وأسباب تراجعه، قالت الفنانة أسيل عادل إن المسرح كان يحظى باهتمام أكبر في الماضي، إلا أن حضوره تراجع بفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، التي وفرت للأطفال بدائل ترفيهية متعددة.
ودعت عادل إلى تخصيص ميزانية ودعم مالي لإنتاج عروض مسرحية موجهة للأطفال، مؤكدة أن إحياء هذا الفن يحتاج إلى اهتمام حقيقي ومستمر، وليس إلى مبادرات مؤقتة.
من جانبه، يرى الأديب والناقد المسرحي الدكتور علاء كريم أن مسرح الطفل يؤدي دوراً مهماً في غرس القيم وتنمية الخيال وتعديل السلوك وكسر الخوف وتعزيز قدرة الطفل على التعبير، عازياً تراجعه إلى قلة التمويل ونقص الكتاب والمخرجين المتخصصين وغياب الجهات المنتجة، فضلاً عن منافسة المحتوى الرقمي وتأثير جائحة كورونا وانشغال الأسر.
وأكد كريم أن استعادة جمهور الطفل تتطلب تقديم نصوص تتناسب مع اهتماماته وطريقة تفكيره، على أن تحمل في الوقت نفسه قيماً أخلاقية ووطنية وإنسانية.
بدوره، دعا الفنان أحمد طعمة التميمي إلى إعادة تفعيل مسرح الطفل، لما يؤديه من أدوار في التربية والتعليم وتنمية الخيال واكتشاف المواهب، مشدداً على أهمية التعاون بين وزارتي الثقافة والتربية لتوفير البنية التحتية والدعم وتشجيع الفنانين على تقديم أعمال هادفة.
وأشار التميمي إلى أن عودة مسرح الطفل إلى الواجهة ستمنح الأطفال فرصة للجمع بين التعلم والترفيه واكتشاف مواهبهم، فضلاً عن إسهامه في ترسيخ القيم الإنسانية والاجتماعية لديهم.
أما الأكاديمي الدكتور صالح الصحن، فيؤكد أن مسرح الطفل يمثل وسيطاً ثقافياً ومعرفياً وفنياً يسهم في بناء جيل منفتح وتنمية ثقافته وذائقته، مشيراً إلى امتلاك العراق تاريخاً مهماً في هذا المجال.
ويرى الصحن أن التطور التقني وانتشار الفضائيات والرسوم المتحركة والمحتوى الرقمي أسهما في تراجع حضور المسرح، مقابل ضعف المنجز المحلي القادر على المنافسة، داعياً إلى إنشاء مؤسسة مستقلة ومدعومة تتولى رعاية مسرح الطفل وتطويره.
وفي السياق ذاته، يوضح المخرج ومحرك الدمى مهند فالح الربيعي أن مسرح الطفل والدمى لم يختفيا تماماً، وإنما تراجعت استمراريتهما وانتشارهما والتخطيط لهما، متأثرين بالظروف التي مر بها العراق وضعف التمويل والدعم، لافتاً إلى استمرار تجارب فاعلة في تونس والمغرب ومصر، فضلاً عن تجارب نشطة في عدد من الدول الأفريقية.
من جهته، يربط المخرج والناقد السينمائي فلاح كامل العزاوي تراجع المسرح بضعف الميزانيات، موضحاً أن عروض الأطفال تحتاج إلى إنتاج خاص يشمل الملابس والإكسسوارات والديكورات، فيما يرتبط عزوف بعض المخرجين، بحسب رأيه، بالطبيعة التعليمية لهذا النوع من المسرح، التي لا تحقق عوائد تجارية كبيرة.
ودعا العزاوي إلى تعاون وزارتي الثقافة والتربية لإقامة عروض منتظمة في المدارس ورياض الأطفال، بما يسهم في إعادة الجمهور الصغير إلى الخشبة، ويفتح المجال أمام إنتاج مسرحي مستمر ينافس المحتوى الرقمي ويستعيد للمسرح دوره التربوي والثقافي.
وبينما تتسع خيارات الأطفال أمام شاشات الهواتف والمنصات الرقمية، تبدو إعادة إحياء مسرح الطفل في العراق مرتبطة بقرار يتجاوز إقامة عروض متفرقة، نحو بناء مشروع مؤسسي مستدام يوفر التمويل والإنتاج والتدريب ويمنح هذا الفن فرصة لاستعادة حضوره في حياة الأجيال الجديدة.