زكي الطائي
كان العطار في زمن مضى ملاذا للناس عندما تداهمهم الأمراض . يأتيه المريض بشكواه فيبحث بين الأعشاب يمزج هذه بتلك ثم يقدم وصفته أملا في الشفاء ..ومع تطور الطب أصبح لكل مرض تشخيصه وطبيبه وعلاجه ..لكن هناك أمراضا لا تنفع معها الأعشاب ولا تكفيها المستشفيات ولا يستطيع أمهر الأطباء علاجها ..إنها أمراض الضمير.
فإلى أي عطار نذهب عندما يكون المرض في داخل الإنسان ..؟ ومن يملك وصفة تعالج الأنا عندما تتضخم وحب الذات عندما يتحول إلى أنانية والمصلحة الشخصية عندما تصبح فوق كل اعتبار ؟.المشهد من حولنا يقول إننا أمام مرض أخذ يتسع ليس لأنه بلا علاج وإنما لأن كثيرين لا يعترفون أصلا بأنهم مرضى، في الرياضة تحديدا أصبح من الصعب أحيانا أن تعرف أين تنتهي المصلحة العامة وأين تبدأ المصالح الشخصية، كلمات كثيرة تقال باسم الحرص على الرياضة لكن خلف بعضها حسابات وغايات أخرى مديح مبالغ فيه عندما تقتضي المصلحة وهجوم قاس عندما تتغير المواقع والمصالح، حتى كلمة الحق أصبحت أحيانا قابلة للتأويل وكأنها ترتدي ثوبا مختلفا بحسب صاحبها وموقعه، والأخطر من ذلك أن بعض الذين يرفعون شعار الإصلاح قد يكونون جزءا من المشكلة وبعض الذين يتحدثون عن العدالة قد يبحثون عن عدالة تناسبهم وحدهم ..هنا تصبح الرياضة هي الضحية، رياضة تمتلك مواهب وجماهير ، وتاريخا لكنها تظل تبحث عن بيئة نزيهة تستطيع فيها الكفاءة أن تتقدم وأن يأخذ المجتهد فرصته وأن لا يكون القرب من أصحاب القرار أهم من القدرة ولا التصفيق بديلا عن الإنجاز، المشكلة ليست في قلة الكلام فنحن نسمع من الكلام كثيرا، وليست في قلة الاجتماعات فالاجتماعات لا تكاد تنتهي وليست في نقص الشعارات فالشعارات كثيرة، المشكلة في الضمير عندما يصمت ..وحين يصمت الضمير يصبح الخطأ وجهة نظر والمجاملة سياسة والمصلحة الشخصية مصلحة عامة ، والسكوت عن الخطأ نوعا من الحكمة.
فمن ينقذ الرياضة من هذه العلة؟.. ربما لا نحتاج إلى عطار جديد ولا إلى وصفة سحرية ..نحتاج فقط إلى أن يعود كل واحد منا إلى داخله ويفتح ذلك الدفتر الذي لا يستطيع أحد غيره أن يقرأه ويسأل نفسه سؤالا بسيطا : لو لم تكن لي مصلحة في هذا الأمر فهل كنت سأقول الكلام نفسه ..؟إذا كانت الإجابة نعم فربما ما زال في الضمير شيء من العافية،أما إذا كانت الإجابة مختلفة فهنا تبدأ رحلة البحث عن العلاج ..ولعل أول وصفة للعلاج أن ندرك أن لرياضة ليست ملكا لأحد وأن المناصب زائلة والأسماء تتغير والسنوات تمضي وما يبقى في النهاية ليس مقدار ما جمعناه من مديح أو نفوذ وإنما ما تركناه من أثر نظيف في ذاكرة الناس ..فالضمير حين يمرض قد لا يشعر به صاحبه، لكن الآخرين يشعرون بأعراض مرضه كل يوم.