بغداد ـ سمير خليل:
تتميز بلاد ما بين النهرين، بتنوع الحياة مثلما تتنوع خيرات الارض وأطايبها بين نهري دجلة والفرات، ولان المساحات الخضراء يقابلها مساحات شاسعة من المياه تتوزع بين الانهر والبحيرات والاهوار، فإن هذه المياه العذبة بمجملها كانت تشكل حياة لنباتات وحيوانات متنوعة لعل أشهرها هو السمك.
السمك العراقي لا مثيل له بالعالم، هذه حقيقة يلمسها كل من تذوق وجبة من السمك، فمن الصعب أن تقنع من لم يسبق له أن تذوق السمك العراقي بالفروق بينها وبين بقية أصناف الأسماك في العالم، إذ أن للسمك العراقي طعما خاصا لا يتشارك فيه مع الأنواع الأخرى.
ومما يساعد على سطوة هذا الطعم تعدد الانواع والاسماء للسمك العراقي بين “الكطان”، “البني”، و”الشبوط” وسمك “الكارب” ، المعروف أيضاً بالسمتي، وهو من أهم الأسماك النهرية في العراق، ويُستخدم بكثرة في تحضير الأطباق التقليدية مثل المسكوف، ويتميز بقدرته العالية على التكيف مع مياه الأنهار الهادئة والأهوار، وكذلك سمك الزبيدي وهو سمك بحري يعيش في مياه مالحة ويتواجد في مياه الخليج العربي وليس سمكاً نهرياً، اما سمك “الزوري” فهو نوع من الأسماك النهرية صغيرة الحجم يُعرف أيضاً في بعض المناطق باسم “الحرش”، وهو سمك صغير جداً يعيش في تجمعات كبيرة داخل الأنهار والمياه العذبة والأهوار، و سمك “الجرّي” وهو نوع من أسماك المياه العذبة.
كذلك فإن العراق يتميز بأكلة سمك خاصة ربما أصبحت عنوانا وهوية لأكل السمك في العراق وهي” المسكوف” الذي تشتهر به مناطق في بغداد خصوصا ربما لا تجدها في كل دول العالم، فقد ذاع صيتها كأكلة عراقية خاصة، لذلك كان السائح الاجنبي والعربي بمجرد ان تطأ قدمه مطار بغداد يطلب ودون تردد الذهاب الى شارع أبي نؤاس ليؤكد زيارته لبغداد من خلال أكلة سمك مسكوف، الذي يمتد تاريخها كأكلة عراقية الى أعوام غابرة في القدم.
ورغم وفرة أنواع من السمك في المياه العراقية فإن ستينيات القرن الماضي شهدت استيراد الحكومة أنواعا من أصبيعيات الأسماك مـن كوبا عرفت فيما بعد بعدة أسماء منها الكاريبي وأبو حديبة والفضي.
تتنوع الأسماك في العراق بين أنواع محلية شهيرة تعيش في دجلة والفرات إلى جانب ظهور أنواع وافدة ومفترسة حديثاً مثل السلور الأفريقي، لكن الأسماك المحلية مثل القطان الذي يعتبره الكثيرون ملك الأسماك العراقية لنكهته وقيمته العالية، أما البني فهو سمك عراقي أصيل ومفضل بشدة في المطبخ المحلي، وكذلك الشبوط الذي يعد من أهم أسماك المياه العذبة التقليدية في أنهار العراق.
وتشير المصادر الى أن معرفة العراقيين بالسمك واستخدامه في الغذاء بدأت منذ آلاف السنين، وتحديداً في عصر الحضارات القديمة كالسومريين والبابليين قبل أكثر من 4500 عام، وقد دلت الاكتشافات الأثرية في العراق على أن صيد الأسماك واستهلاكها كان جزءاً أساسياً من حياة السكان اليومية، كما كشفت التنقيبات الأثرية في تل أبي طبيرة بمحافظة ذي قارعن أطباق عظام سمك تعود لأكثر من 4500 عام مضت، وكذلك أثبتت التحليلات الأثرية وجود آثار حرق وطريقة شق السمكة من الظهر واشتعال النار بطريقة مشابهة تماماً لعمل السمك المسكوف الحالي، وظهر السمك كجزء من قوائم القرابين التي تقدم للآلهة والمعابد في النصوص المسمارية القديمة، واعتمد سكان بلاد الرافدين بثروتهم السمكية بشكل رئيسي على نهري دجلة والفرات والأهوار للحصول على الأسماك كالقطان والبني والشبوط.
أما أبرز المصاعب والأمراض التي واجهت الثروة السمكية في العراق فهي شح المياه، التلوث الحاد بالأمونيا والمعادن الثقيلة، وفيروس كوي الهربس، والأمراض وانخفاض مناسيب المياه في الأنهار والأهوار وزيادة الملوحة، التلوث البيئي وارتفاع تراكيز الأمونيا والمعادن الثقيلة في النهر وانخفاض نسبة الأوكسجين المذاب، خاصة في حوادث نفوق الأسماك الشهيرة بمحافظة بابل وبقية المدن، وكذلك سيطرة بعض أنواع الكارب غير الأصيلة على البيئة النهرية ومنافستها للأسماك المحلية.