إشكالية المثقف في الرواية العراقية
باقر صاحب
في تقديري أن طرح إشكالية المثقف في الرواية العراقية يمس عصب الأدب العراقي عامة، فالرواية العراقية لم تكن يوماً معزولة عن التحولات السياسية والاجتماعية العنيفة التي مر بها البلد، وكان المثقف دائماً هو المرآة التي تنعكس عليها كل تلك الانكسارات والتحولات. ويمكن القول أن شخصية المثقف في الرواية العراقية تحركت عبر مسارات درامية تعكس واقعنا المعقد. كما أن تلك الشخصية لم تكن نمطية، بل تبلورت عبر مراحل تاريخية مختلفة، منها شخصية المثقف الرائد والمبشر في بداية تأسيس الدولة الوطنية العراقية، حيث ظهر المثقف في البدايات كحامل لمشعل التنوير، غارق في المثالية، يسعى لتغيير مجتمعه وتثويره، لكنه يصطدم غالباً بجدار الواقع المحافظ أو السلطة. ومن ثم تبلورت شخصية المثقف المأزوم والمغترب، وذلك مع تحول العراق إلى ساحة للصراعات الأيديولوجية والحروب المتتالية.
وبات المثقف يعيش مغترباً داخل وطنه أو منفيّاً خارجه. وأصبح يمثل البطل الضد الذي يعاني من العجز، والتهميش، والمطاردة. وحين شهد العراق أقوى تحولاته مطلع هذا القرن، بات المثقف مُشظّى في مرحلة ما بعد 2003، إذ انهار كل شيء، وبات المثقف يبحث عن هويته وسط ركام الطائفية، والاحتلال، وفقدان الأمان. لم يعد معنياً بتغيير العالم بقدر ما هو معني بفهم ما حدث، أو توثيق الفجيعة، أو مجرد البقاء على قيد الحياة. ولتوضيح المشهد الروائي العراقي ومعالجته لإشكالية المثقف، نقترب باختصار من نماذج عراقية بارزة مثّلت شخصية المثقف بثيمات ورؤى فلسفية واجتماعية مختلفة.
المثقف المُستلب أو الحالم
عالج برهان شاوي في أكثر من رواية، إشكالية المثقف العراقي المعاصر، وذلك في روايتيه” متاهة الأشباح” و “متاهة العميان”، تتمثل الإشكالية في استحضار شخصيات مثقفة مُستلبة تعيش صراعاً بين وعيها الفكري والسياسي، وبين محاولاتها ترجمة ذلك الوعي الى مدونات فكرية وابداعية تدين واقعها، أو الهروب إلى المنفى، وذلك عبر منظور سردي، يدين في النهاية المثقف، بوصفه يائساً عاجزاً عن التغيير.
وهناك أكثر من روائي تناول ثيمة المثقف المستسلم أو المتفرج أو الحالم، مثلاً الكاتب الراحل فؤاد التكرلي (1927-2008) في روايته “الرجع البعيد”، وهي واحدة من أشهر رواياته، عالجت الرواية ثيمة الاغتراب النفسي والانهيار الأيديولوجي التي عانت منها شريحة المثقفين في ستينيات القرن الماضي. وتظهر فيها شخصية المثقف “مدحت” الذي يمتلك وعياً متقدماً، يرصد فيه الأحوال السياسية والاجتماعية في العراق، في فترة ما قبل انقلاب 1963. وهو ذلك المثقف المتفرج أو الحالم، الذي يهرب إلى القراءة، من دون أن تتمكن مدركاته الثقافية إلى صناعة فعل مقاوم لما هو سلبي يحدث على أرض الواقع.
المثقف العقائدي
ومن الروايات العراقية البارزة التي عالجت إشكالية المثقف رواية “الوشم” للكاتب الراحل عبد الرحمن مجيد الربيعي(1929-2023)، وفي الرواية معالجة لثيمة الانكسار والنكوص والتخلي عن المبادئ، وبهذا عُدّت الرواية جريئة جداً لجهة مناقشتها محنة المثقف العقائدي. وعبر الشخصية المثقفة ” كريم الناصري” الملتزم حزبياً وسياسياً الذي يتعرض للاعتقال والتعذيب، يعالج الربيعي كيف يتحول السجن، ومن ثم التعذيب إلى أداة لانكسار الروح، حيث يخرج المثقف من المعتقل مهزوماً بشدة، فيتخلى عن قضاياه الكبرى ويغرق في العبث والملذات الفردية هرباً من شعوره بالذنب.
المثقف المتعالي
وعن ظاهرة المرأة المثقفة، كما في رواية “منازل الوحشة” للروائية المغتربة دنى غالي، نجد هنا رصداً سردياً ناقداً للعائلة المثقفة الأرستقراطية. وتتمثل هنا شخصية” أم سلوان” التي هي مثال للنخب المثقفة الشرقية، التي تشعر بتفوق إزاء مواطنيها وازدراء ثقافتهم المحلية، والشعور بالدونية إزاء الحضارة الغربية.
حارس الذاكرة الوطنية
كما أن روائياً مغترباً مثل سنان أنطون في روايته “فهرس”، تناول شريحة مثقفين ذوي اهتمامات خاصة بحراسة الذاكرة الوطنية من المحو والضياع، يمثلهم في الرواية شخصية” ودود”، الذي يحرص على أرشفة كل الأشياء التي دمرتها الحرب (بشر، حيوانات، جمادات).
بصورة عامة، نخلص إلى إن المثقف في الرواية العراقية هو “الترمومتر” الذي قيس به حجم الخراب والأمل في آن واحد؛ انتقل من كونه قائداً للتنوير، إلى ضحية للأنظمة، وصولاً إلى مؤرخٍ وموثّقٍ للفجيعة. ناهيك عن أن هناك نخباً مثقفة ارستقراطية متعالية على غالبية الأوساط الاجتماعية، وهذا ما يمثّل ميسماً سالباً في أدوار المثقف العراقي.
على أن بالنسبة إلى جدلية الوطن/ المنفى، يمكن القول أن المنفى، ورغم مرارة الغربة، إلاّ أنه منح الروائي العراقي مساحة آمنة ومسافة زمنية ومكانية أتاحت له سرد الفجيعة كاملة من دون مواربة أو خوف من مقص الرقيب أو بطش السلطة، فجاءت نصوص المنفى كصرخات عارية في وجه الخراب.