بغداد ـ الصباح الجديد:
صادف يوم أمس الأول من تموز، وهو مناسبة فريدة من نوعها في العراق، حيث يحتفل ملايين المواطنين، لا سيما من الآباء والأجداد، بعيد ميلادهم الجماعي في ظاهرة اجتماعية وإدارية نادرة تحمل في طياتها الكثير من الطرافة والتاريخ.
سر التاريخ المشترك
تعود جذور هذه الحكاية إلى عام 1957، حين أجرت دائرة الأحوال المدنية العراقية إحصاءً عاماً للسكان. في تلك الحقبة، كان الكثير من الأهالي يتفادون تسجيل مواليدهم فور ولادتهم، لاسيما الذكور خشية إلحاقهم بالخدمة العسكرية الإلزامية، أو بسبب بُعد المناطق الريفية عن مراكز المدن.
وعند إجراء الإحصاء، تبيّن أن ملايين العراقيين لا يملكون يوماً أو شهراً محدداً للميلاد في سجلاتهم. ولحل هذه المعضلة الإدارية، اعتمدت السلطات تاريخ “الأول من تموز” (الذي يمثل منتصف العام وصادف بداية شهر الإحصاء) كتاريخ ميلاد موحد لكل من لا يُعرف يوم مولده الدقيق. واستمر هذا الإجراء متبعاً لدى موظفي النفوس حتى مطلع السبعينيات.
مفارقات طريفة
هذا التشابه الإعجازي في تواريخ الميلاد قاد إلى مواقف مضحكة ومحرجة في آن واحد، ومن أبرز الحكايات المتداولة: إنه في تسعينيات القرن الماضي، احتجزت سلطات مطار دولي وفداً رسمياً عراقياً للاشتباه في تزوير جوازات سفرهم، بعدما تبيّن لضباط الجوازات أن جميع أعضاء الوفد ولدوا في اليوم ذاته (1 تموز). ولم يُسمح لهم بالدخول إلا بعد تدخل السفارة العراقية لتوضيح هذه الخصوصية الإدارية.
في واقعة أخرى، تفاجأ وفد عراقي زار اليابان بإقامة إدارة الفندق الذي يقيمون فيه حفلة عيد ميلاد جماعية ومفاجئة لهم، بعد أن لاحظ موظفو الاستقبال تطابق تاريخ ميلاد جميع أعضاء الوفد في جوازات السفر.
بين التوثيق والذاكرة
المواطن المتقاعد سعدي حسن، من مواليد 1 تموز 1950 بحسب الوثائق، يروي قصته قائلاً: “أمي كانت تقول إني وُلدت في الشتاء، لكنها عندما ذهبت لتسجيلي بعد عامين لم تتذكر اليوم أو الشهر، فأعطوها 1 تموز، وقالوا: (هذا التاريخ نمشي عليه دائمًا). واليوم، أنا وكل أصدقائي من جيلي تقريباً نحتفل بهذا اليوم رغم غرابته”.
ظاهرة “مواليد تموز” لا تقتصر على جيل الخمسينات فقط، بل تمتد إلى مواليد الستينات والسبعينات، خاصة في المناطق التي تأخر فيها الانتظام الإداري أو ضعف فيها الوصول إلى خدمات الدولة. وفي الوقت الذي لا تزال فيه هذه التواريخ مثار طرافة في بعض العوائل، يرى مختصون أنها تشكّل أيضاً وثيقة صامتة على مرحلة إدارية وبيروقراطية من عمر الدولة العراقية، حين كانت الوثيقة الرسمية تُصنع بمعزل عن السياق الأسري أو الذاكرة الفردية. ويبقى الأول من تموز، رغم كونه رقماً افتراضياً في أصله، شاهداً على لحظة تاريخية من لحظات تشكيل الهوية المدنية في العراق، يومٌ تكرّر آلاف المرات في بطاقات الأحوال المدنية، حتى صار مناسبة “وطنية” من دون احتفال رسمي.
واليوم، يتحول الأول من تموز في العراق إلى مهرجان افتراضي ومناسبة لتبادل التهاني الفكاهية على منصات التواصل الاجتماعي، حتى إن بعض الناشطين يقترحون بين الحين والآخر إعلان هذا اليوم عيداً وطنياً شعبياً، احتفاءً بهذه المصادفة التاريخية التي تجمع ملايين العراقيين في يوم ميلاد واحد.