إعداد – الصباح الجديد:
في أقصى شرقي محافظة ديالى، وفي قضاء مندلي تحديدًا، وعلى تخوم التاريخ والجغرافيا، تقف قلعة سفيد، أو ما يُعرف شعبيًا بقلعة مندلي، شامخة بين الذاكرة والركام، شاهدةً على حضارة قديمة ضاربة في جذور الزمن. إنها ليست مجرد تل أثري أو موقع طيني، بل رمز للهوية الفيلية الكردية في مدينة مندلي، التي لطالما كانت معقلًا للثقافة والتعايش، وموطنًا لعائلات تركت بصماتها في التاريخ العراقي الحديث.
تُعد قلعة سفيد من أقدم القلاع الأثرية في العراق، وتقع جنوب مدينة مندلي على تل كبير منحدر، وقد عُثر فيها على لقى فخارية تعود إلى العصر العباسي، وأخرى من عصور ما قبل التاريخ، ما يعزز الاعتقاد بأن القلعة كانت مأهولة ومستخدمة في فترات متعاقبة، بدءًا من الحقبة الفرثية والساسانية، مرورًا بالعهد العباسي، وحتى بدايات العصر الحديث، ما يؤكد أنها من أهم القلاع الأثرية التي شهدت عصورًا متعددة.
ويرى الباحثون أن موقعها الاستراتيجي المهم والحيوي لم يكن عسكريًا فقط، بل كان يمثل نقطة تحكم في طرق التجارة القديمة التي ربطت العراق بإيران، كما كانت مركزًا إداريًا للمدينة، تحت إشراف شخصيات من أبناء العشائر الفيلية الأصيلة.
ومن أبرز المحلات التراثية في مندلي، تأتي محلة قلعة بالي، المعروفة محليًا باسم “قلابالي”، والتي يعود اسمها، بحسب الروايات الشعبية، إلى أخوين قديمين، بنى أحدهما قلعة كبيرة وسكن فيها، فسُميت المنطقة باسمه. وتضم المحلة أحياءً عريقة، شأنها شأن العديد من المناطق التي احتفظت بطابعها التراثي عبر العقود، مما أعطى المنطقة طابعًا أثريًا متنوعًا.
ولا تقتصر شهرتها على قدمها فحسب، بل لأنها احتضنت شخصيات ثقافية وتاريخية لعبت دورًا محوريًا في نهوض المدينة، كما احتضنت الحسينية الزهراء (ع)، ونهر السوق الشهير (جووبازار)، ومواقع روحية ومواقع دينية، إضافة إلى أنها تعد من المواقع التاريخية المهمة.
وبرغم سياسة التهميش التي تعرض لها الكرد الفيليون، حافظت عائلات بارزة، على كيانها وعاداتها وتقاليدها وحافظت على احترام الاقليات التي تعيش في عموم مدينة مندلي لتكون المدينة مدينة امان وسلام.