بغداد ـ وداد إبراهيم:
في الوقت الذي تحولت فيه مناطق تراثية مثل شارع المتنبي والقشلة والسراي إلى واجهات ثقافية وسياحية تستقطب الزائرين وتعكس جمال العمارة البغدادية القديمة، تواجه عشرات الأزقة والمناطق التراثية الأخرى في العاصمة خطر الاندثار بسبب الإهمال وغياب أعمال الترميم والصيانة.
ففي مناطق الشورجة وقنبر علي والصدرية والبارودية وباب السيف والشواكة والكريمات، تتكرر مشاهد البيوت المتصدعة والجدران الآيلة للسقوط، فيما تبدو الأزقة القديمة وكأنها تودّع ملامحها التاريخية تدريجياً تحت تأثير الأمطار والعواصف وتقادم الزمن.
وتقول موظفة في دائرة حماية التراث التابعة لدائرة الآثار والتراث إن بغداد تضم أكثر من 2400 دار تراثية يتراوح عمرها بين 70 و100 عام، موزعة في مناطق الكاظمية والأعظمية والبتاوين والكرادة وشارع أبو نواس وشارع الرشيد والكرخ والرصافة، إضافة إلى مبانٍ أثرية أخرى يتجاوز عمرها 200 عام.
وأضافت أن هذه البيوت ما تزال تنتظر اهتمام الجهات المعنية، في وقت تتناقص فيه أعدادها بصورة مستمرة نتيجة التجاوزات والتغييرات التي يجريها بعض أصحاب العقارات.
من جهته، أوضح المتحدث الرسمي باسم أمانة بغداد، محمد الربيعي، أن العقارات التراثية تشهد تناقصاً مستمراً منذ عام 2003، بسبب تجاوزات بعض المالكين الذين يلجأون، لأسباب استثمارية، إلى تغيير الطابع التراثي للعقارات أو إتلافها عمداً، وأحياناً حرقها للحصول على موافقات بهدمها وإعادة بنائها.
في المقابل، يشير مواطنون إلى وجود محاولات محدودة لإنقاذ بعض البيوت القديمة، إذ يقول أحد سكان منطقة باب السيف إن دائرة الآثار تقدم المشورة الفنية والتصاميم المناسبة لكل من يرغب بترميم بيته التراثي، لافتاً إلى نجاح بعض التجارب في مناطق مثل البتاوين.
لكن هذه الجهود، بحسب سكان محليين، ما تزال غير كافية أمام حجم التدهور الذي أصاب الأبنية القديمة. ويقول المواطن سلمان جمعة من منطقة الشواكة إن السكن في بيت تراثي أصبح عبئاً على كثير من العائلات بسبب صعوبة ترميمه واشتراطات الحفاظ على طابعه المعماري، مؤكداً أن العديد من المنازل داخل الأزقة القديمة باتت مهددة بالانهيار أو غير صالحة للسكن.
وأضاف أن كثيراً من الأبنية المشيدة من الطين أو الطابوق من دون هياكل حديدية أو خشبية أصبحت مجرد هياكل مهجورة، متسائلاً عن سبب اقتصار مشاريع التأهيل على مناطق محددة مثل القشلة والسراي وشارع الرشيد، رغم وجود أبنية أخرى تمتلك قيمة جمالية وتاريخية كبيرة يمكن أن تتحول إلى معالم معمارية بارزة.
ويرى مختصون أن الحفاظ على تراث بغداد لا يقتصر على ترميم واجهات شهيرة أو شوارع معروفة، بل يتطلب خطة متكاملة لإنقاذ النسيج العمراني القديم في الأزقة الشعبية والمناطق التاريخية التي تمثل ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية والاجتماعية.