صادق الطائي
ليست «ظهر السمكة» رواية حرب بالمعنى الذي ألفته الذاكرة العراقية خلال سنوات الحرب العراقية- الإيرانية، بقدر ما هي رواية عن الإنسان الذي وجد نفسه ذات يوم داخل حرب لم يخترها، يحمل بندقية في مواجهة إنسان آخر لم يره من قبل، ولا يعرف عنه شيئاً، سوى أن السلطة أخبرته بأنه عدو ينبغي أن تقتله قبل أن يقتلك. ومن هذه المفارقة البسيطة والمروعة في آن واحد يبني الشاعر حميد قاسم تجربته الأولى في السرد ، في نوفيلا لا تتجاوز 120 صفحة من القطع المتوسط، صدرت عن منشورات نابو في بغداد عام 2021. وهي مغامرة أولى لكاتب عرفه الوسط الثقافي شاعراً وصحفياً محترفاً عمل في مؤسسات صحفية عراقية وعربية، قبل أن يقرر دخول منطقة الرواية محملاً بذاكرة شاعر وتجربة جندي سابق وخبرة صحفي يعرف قيمة التفاصيل الصغيرة.
لكن قاسم لا يأخذ قارئه مباشرة إلى الجبهة. ثمة ما يشبه العتبة الطويلة التي يتعمد الوقوف عندها، حيث يبدأ من زمن آخر تماماً: أيام الحظر الذي فرضه انتشار وباء كورونا، والضجر الذي أصاب العالم وهو يعيش عزلته غير المسبوقة. يتحدث بضمير المتكلم عن رغبته القديمة في كتابة رواية، ويسخر من الوصفات الجاهزة التي تحدد للكاتب كيف يبني شخصياته وأحداثه، ثم يفكر في استعادة حكايات أبيه، الرجل الذي كان يمتلك، كما يقول أحد أصدقائه، موهبة فطرية في الحكي. هكذا تبدو الصفحات الأولى كأنها سيرة جانبية لكاتب يبحث عن روايته، قبل أن نكتشف أن هذا التردد نفسه جزء من اللعبة السردية.
ومن بين الذكريات يطفو مشهد سيقود النص كله إلى الحرب: ابن عمته وصديق طفولته علي، الذي أعيد إلى بيته في مدينة الثورة داخل تابوت مغطى بالعلم العراقي بعد مقتله في معارك شرق البصرة في 16 تموز 1982. يتذكر قاسم العويل والبيت الصغير، ويتذكر خصوصاً عمته صبرية وهي تحتضن رأس ابنها القتيل ثم تقربه من صدرها وتلقمه ثديها كما لو كانت تحاول، في حركة أمومية مستحيلة، أن تعيده طفلاً أو تعيده إلى الحياة. هنا تتراجع السخرية التي طبعت الصفحات الأولى، ونصبح أمام الجرح الحقيقي الذي ستخرج منه الرواية: الحرب لا كما ترويها البيانات العسكرية، بل كما تبقى في أجساد الأمهات وذاكرة الناجين.
بعد ذلك يعثر السارد على القناع الذي سيتيح له الدخول إلى تجربته: دفتر قديم تركه جندي يدعى سليم غانم سلطان، رفيقه في الراقم 684، دوّن فيه يومياته قبل أن يقتل. يعترف الراوي بأنه فكر في انتحال تلك اليوميات وتقديمها باعتبارها روايته، ثم يتراجع ليضعها أمامنا بعد أن سد بعض فراغاتها واستكمل كلماتها المطموسة. إنها حيلة «المخطوطة المعثور عليها» المعروفة في تاريخ السرد، لكنها هنا تؤدي وظيفة أبعد من إضفاء المصداقية على الحكاية. فسليم يتحول تدريجياً إلى قناع لحميد قاسم نفسه، وتتداخل حدود الشخصية والمتخيل مع ذاكرة الكاتب وتجربته الفعلية في الحرب. وقد التفتت بعض القراءات النقدية للعمل إلى هذا التداخل، فرأت في سليم «قريناً» للكاتب ومخاتلة سردية تتيح له قول ما يريد قوله عن الحرب ومصائر البشر من وراء صوت آخر.
وما إن نصل إلى الراقم 684 حتى يتغير إيقاع الرواية. نحن الآن في السنة الأخيرة من حرب طالت حتى بدا كأنها لن تنتهي أبداً. الجبال والرواقم والشقوق والملاجئ وقنابر الهاون والمدفعية والراجمات ليست خلفية مسرحية للحكاية، بل عالم مغلق يعيش فيه رجال ينتظرون الموت. وحتى الطبيعة التي كان يمكن أن تجعل المكان منتجعاً جبلياً جميلاً تبدو مشوهة ببقع القصف والحفر والاحتراق. وفي واحدة من الجمل المبكرة التي تختصر المزاج النفسي للجنود، يسأل أحدهم لاعناً: لماذا جئنا إلى هنا؟ ومن أجل ماذا؟
هنا تكتسب «ظهر السمكة» أهميتها في سياق الكتابة العراقية عن الحرب. فقد أنتجت سنوات الحرب كماً كبيراً من الرواية والقصة والشعر والمسرح ، لكن السمة الغالبة على ما كان متاحاً للنشر داخل العراق آنذاك كانت خضوعه لشروط الأدب التعبوي: الجندي بطل لا يخاف، والموت شهادة منتظرة، والعدو كتلة مجردة من الملامح الإنسانية، فيما ظلت مساحة الخوف والشك ورفض الحرب وكراهية الموت محرمة بشكل كامل. وبعد الحرب، ولا سيما في أدب المنفي، بدأت تظهر سرديات تستعيد التجربة من زوايا مختلفة وأكثر إنسانية. «ظهر السمكة» تنتمي إلى هذه الكتابة المتأخرة زمنياً، لكنها تتميز عنها بأن صاحبها لا يستعيد حرباً عرفها من بعيد؛ إنه يعود إلى تجربة عاشها جندياً، بعد أكثر من ثلاثة عقود أتاحت للذاكرة أن تنفصل عن خطاب التعبئة وأن تنظر إلى ما حدث باعتباره محنة بشرية. وهذه المفارقة بين الأدب التعبوي وكتابة قاسم الإنسانية لاحظها نقاد آخرون تناولوا الرواية أيضاً.
لا أبطال خارقين هنا. الجنود يخافون، يشتاقون إلى بيوتهم ونسائهم وأطفالهم، يكرهون الموضع الذي ألقي بهم فيه، ويتساءلون عن الجدوى من حرب يدفعون ثمنها بأجسادهم. ولأن سليم ليس جندياً مجرداً من ماضيه، بل رجل مثقف يحمل ذاكرته السياسية والثقافية معه إلى الخندق، تتحول مونولوجاته في مواضع كثيرة إلى مساءلة للحرب والسلطة والموت والمعنى. هنا يظهر الشاعر الكامن خلف الروائي. فاللغة لا تكتفي بوصف الخنادق والأسلحة، بل تبحث باستمرار عن نافذة شعرية داخل الجحيم، حتى إن الذبابة التي تقف على سبطانة البندقية يمكن أن تصبح مناسبة للسؤال عما يفعله هذا الكائن البشري في ذلك المكان العبثي. وقد التقطت إحدى القراءات المرفقة هذا التوتر بين التفاصيل العسكرية واللغة الشعرية بوصفه من السمات المميزة للعمل.
ثم تقع الحادثة التي تمنح الرواية عنوانها ومعناها الأعمق. ينهمر المطر بلا توقف، وتتضخم السيول حتى يبدو المشهد أقرب إلى طوفان يعيد العالم إلى لحظة بدئية. تغرق المواضع العسكرية وتتعطل الحدود التي رسمتها الحرب، ولا يبقى أمام الجنود سوى الاحتماء بجبل أجرد يقع في المنطقة الفاصلة بين الطرفين، يشبه في تكوينه ظهر سمكة طافية فوق الماء. هناك يجد عشرون جندياً عراقياً وثمانية جنود إيرانيين أنفسهم محاصرين بالماء على اليابسة نفسها.
وفي تلك اللحظة يحدث ما لم تستطع ثماني سنوات من الحرب أن تتيحه: يرى «الأعداء» بعضهم بعضاً عن قرب. لا يحتاج الأمر إلى مفاوضات سلام ولا إلى خطب سياسية. يكفي أن ينقطع هؤلاء الرجال عن قياداتهم العسكرية حتى يكتشفوا البداهة التي حجبتها الحرب: إنهم متشابهون. لديهم أمهات ينتظرنهم، ونساء يحبونهن، وأطفال وذكريات وأغان وكتب، ويخافون الموت بالطريقة نفسها. بعضهم يستطيع التواصل بلغة الآخر، وبعضهم يكتشف معه الشعر والثقافة والهم الإنساني المشترك. محمد علي موسوي، الجندي الإيراني الذي فقد أربعة من إخوته، لا يرى في العراقي الجالس أمامه قاتل إخوته، مثلما لا يستطيع العراقي أن يحمل الفرد المقابل مسؤولية قتلاه. كلاهما يبدأ في رؤية القاتل الحقيقي في جنون السلطة والاستبداد اللذين وضعا السلاح في أيدي أناس لم يكونوا أعداء بعضهم.
وهنا يبلغ رمز الطوفان و«ظهر السمكة» ذروته. يمكن بالطبع قراءة المشهد في ضوء الموروث الديني والأسطوري، واستحضار طوفان نوح وسفينة النجاة، وهو تأويل ذهبت إليه إحدى الدراسات النقدية للرواية. لكن ثمة معنى أكثر مباشرة وقسوة: لقد محت الطبيعة، لأيام قليلة، الحدود السياسية والعسكرية. وحين انقطع الجنود عن الدولتين اللتين تحاربان باسميهما، توقفت الحرب بينهم. لم يعد على الجبل جيشان، بل ثمانية وعشرون شاباً يريدون النجاة. كأن «ظهر السمكة» أصبح جمهورية صغيرة مؤقتة لا تحتاج إلى أكثر من الخبز والدفء والاعتراف المتبادل بحق الآخر في الحياة.
غير أن اليوتوبيا لا يمكن أن تدوم. تنحسر المياه، وتعود الأرض إلى الظهور، ومعها تستعيد آلة الحرب صوتها. تتقدم الآليات الهادرة من الجهتين، ويقف الجنود الذين عاشوا أياماً معاً موزعين بين الشرق والغرب، بينما تتجه فوهات الهاونات نحو المكان نفسه. والمفارقة المروعة أن أمر القتل واحد، ولا يختلف سوى اللسان الذي ينطقه: «ارم» بالعربية و«شليك كن» بالفارسية. هنا تغلق الرواية دائرتها بأشد صورها مرارة: حين ترك البشر وحدهم صنعوا هدنتهم، وحين عادت إليهم الحرب استعادت تعريفهم بوصفهم أعداء.
لهذا لا تستمد «ظهر السمكة» قيمتها من موضوعها وحده، بل من مصداقية البوح التي تسندها ذاكرة خبرت الحرب، ومن معرفة دقيقة بجغرافية الجبهة وأسماء الجبال والرواقم والأسلحة والتفاصيل اليومية لحياة الجندي، ومن لغة شاعر لم يتخل عن الشعر حين دخل السرد. وأحياناً تطغى هذه الشعرية، وتتسع المونولوجات الفكرية والفلسفية على حساب الحركة الروائية، كما أن التداخل المتعمد بين المؤلف والسارد يجعل الحدود بين السيري والمتخيل رخوة إلى حد بعيد. لكن هاتين السمتين، بدلاً من أن تكونا بالضرورة مأخذين على التجربة الأولى، تمنحانها شخصيتها الخاصة: نحن لا نقرأ رواية حرب مصنوعة من خارج التجربة، بل شهادة تتخفى في هيئة رواية، ورواية تستعين بالشعر كي تقول ما تعجز عنه لغة الوقائع العسكرية.
وربما تكمن أجمل مفارقات هذا العمل القصير في أن حميد قاسم احتاج إلى طوفان كي يوقف الحرب. كان لا بد للماء أن يغمر الجبال ويعطل المدافع ويقطع خطوط الاتصال كي يكتشف ثمانية وعشرون رجلاً حقيقة كان يمكن اكتشافها منذ اليوم الأول: ليس ثمة سبب شخصي يجعل أحدهم يقتل الآخر. وحين نغلق «ظهر السمكة» لا يبقى السؤال: من انتصر في الحرب العراقية ـ الإيرانية؟ بل سؤال أبسط وأشد إزعاجاً: كم إنساناً كان ينبغي أن يموت قبل أن يكتشف الجنود أنهم لم يكونوا أعداء بعضهم في الأصل؟