
كوكب السياب
يصرَ بعض العاملين في مجال الإعلام، أو بالأحرى ممن يُطلقون على أنفسهم لقب “إعلامي”، جزافاً، على الخلط بين النجاح المهني والنجاح بالوهم و”التفاهات”، ويظنّون أنه كلما ارتفعت نسب المشاهدة وتكاثرت التعليقات، اعتبروا أنهم حققوا إنجازاً، بغض النظر عن طبيعة ذلك التفاعل أو الثمن الإنساني الذي دُفع في سبيله، بل أنه في كثير من الأحيان ينتظر بعض هؤلاء الشتائم والانتقادات الحادة؛ لأنهم يضعونها ضمن مؤشرات النجاح، ما دام المقطع قد انتشر وحصد المشاهدات.
تساءلت وأنا أتابع مقطعاً مجتزءاً من حوار تلفزيوني كانت ضيفته طفلة من متلازمة داون، كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الطفل، أو الإنسان عموماً، مادة سهلة للاستعراض الإعلامي؟، فلم يكن الهدف من الحوار التعرف إلى شخصيتها أو مواهبها أو أحلامها، بل جرّها إلى أسئلة شخصية وحساسة تتعلق بالحب والزواج والعلاقات الإنسانية، وكأن المطلوب انتزاع لحظة انفعال أو إجابة تثير فضول الجمهور، وبالتالي تفاعله عبر التواصل الاجتماعي.
جلس مقدم البرنامج يسبق سؤاله بعبارة مهذبة من نوع “إذا تسمحين إلي”، قبل أن يطرح سؤالاً لا ينسجم مع عمر الضيفة ولا مع طبيعة الحوار، ولا مع ظرفها الانساني: “ممكن تعيشين قصة حب؟” فجاءت الإجابة مترددة وممزوجة بالحزن: “لا.. أحب بس أمي وأخوية”، غير أن هذه الإجابة البريئة لم تكن كافية للمقدّم، حتى واصل اسئلته المحرجة لتدور هذه المرة بشأن الزواج وبناء حياة جديدة، فيما كانت الطفلة تؤكد، ببراءة واضحة، رغبتها في البقاء مع أسرتها.
المشكلة ليست في الحديث عن الحب أو الزواج بوصفهما جزءاً من التجربة الإنسانية، فالأشخاص ذوو الإعاقة لهم مشاعرهم وحقوقهم وتطلعاتهم مثل سائر الناس، لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي تُطرح بها الأسئلة، وفي تحويل الضيف إلى وسيلة لإثارة الدهشة أو الشفقة أو الجدل، بدلاً من التعامل معه بوصفه إنساناً كاملاً يستحق الاحترام، فالإعلامي الذي يحترم نفسه لا يبحث لحظات يحرج فيها ضيوفه، أو يضعهم في موقف ضعف، ولا يقتات على ارتباكهم، ولا يستثمر بساطتهم أو براءتهم، من أجل مقطع يتحوّل إلى “تريند” في فيس بوك أو تيك توك، إنما يتجسّد دوره في تسليط الضوء على الإنسان، لا أن يحاصره بالأسئلة التي تجرده من راحته وخصوصيته أمام الكاميرا.
اتساءل أيضاً: أين تقف المعايير المهنية والأخلاقية من كل ذلك؟ وأين الجهات المعنية بحماية الأطفال والفئات الأكثر هشاشة من الاستغلال الإعلامي؟. إن حرية الإعلام لا تعني إعطاء الحق بالعبث في كرامة الناس وخصوصياتهم، وهي دعوة صادقة وملحّة إلى متابعة هذه البرامج واتخاذ اجراءات ردع حقيقية بحقها.