ثائر الغساني
لطالما رفع الاتحاد الدولي لكرة القدم شعار الاستقلالية، وأكد في كل مناسبة أن قراراته لا تخضع لضغوط الحكومات أو السياسيين، وأن القانون هو السيد الوحيد داخل المستطيل الأخضر. لكن الجدل الذي انفجر عقب الحديث عن تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدى رئيس الفيفا جياني إنفانتينو لإيقاف عقوبة لاعب المنتخب الأميركي، أعاد طرح سؤال مؤلم: هل أصبحت بعض القرارات تُراجع في المكاتب بعد أن حُسمت في الملعب؟.
قد تكون الروايات المتداولة بحاجة إلى توضيح رسمي، لكن الصمت في مثل هذه القضايا ليس حياداً، بل وقوداً للشائعات. والفيفا، الذي يطالب الجميع باحترام قراراته، مطالب أولاً بأن يشرح للرأي العام كيف اتُخذ القرار، ومن اتخذه، وعلى أي أساس قانوني استند.. إن أخطر ما يمكن أن يصيب كرة القدم ليس الخطأ التحكيمي، بل اهتزاز الثقة بعدالة المؤسسة التي تدير اللعبة. فالأخطاء جزء من الرياضة، أما الشك في نزاهة الإجراءات فهو بداية أزمة لا تنتهي.
جياني إنفانتينو يدرك أكثر من أي شخص أن منصبه لا يمنحه حق إرضاء هذا الطرف أو ذاك، بل يفرض عليه حماية سمعة اللعبة حتى لو أغضب أقوى زعماء العالم. فإذا كانت القوانين قابلة للتعديل بمجرد اتصال هاتفي، فلماذا توجد لجان انضباط؟ ولماذا تُعقد الاجتماعات وتُكتب اللوائح إذا كان النفوذ السياسي يستطيع أن يختصر كل ذلك؟
أما احتجاج بلجيكا، فهو ليس دفاعاً عن مباراة واحدة، بل عن مبدأ. لأن المنتخبات لا تريد معاملة تفضيلية، بل تريد قانوناً واحداً يطبق على الجميع، سواء كان الخصم منتخباً صغيراً أو منتخب الدولة المستضيفة، وسواء كان المتصل مواطناً عادياً أو رئيس أقوى دولة في العالم.. الفيفا اليوم أمام اختبار لا يقل أهمية عن نهائي كأس العالم. فإما أن يقدم للرأي العام تفسيراً شفافاً يقنع عشاق اللعبة بأن العدالة لم تُمس، وإما أن يترك الانطباع يتسع بأن النفوذ السياسي بات قادراً على الوصول إلى حيث لا تصل إليه مهارات اللاعبين.
كرة القدم لم تصبح اللعبة الشعبية الأولى لأنها الأغنى أو الأكثر مشاهدة، بل لأنها أقنعت مليارات البشر بأن صافرة الحكم أعلى من كل الأصوات. وإذا سقط هذا الإيمان، فلن يخسر الفيفا مباراة… بل سيخسر جزءاً من هيبته التي بناها عبر عقود.