بغداد ـ زينب الحسني:
في 19 آب من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للتصوير، ومع حلول هذا اليوم، تعود الصور القديمة لتستعيد مكانتها بوصفها جزءاً من الذاكرة الاجتماعية، خصوصاً لدى العائلات التي ما زالت تحتفظ بألبومات ورقية تعود إلى عقود مضت ففي البيوت العراقية، نجد صورة بالأبيض والأسود لجد أو جدة، وأخرى لعرس قديم، وثالثة لطلاب أمام مدرسة، أو لعائلة اجتمعت في باحة منزلها. وبرغم بساطة تلك الصور، فإنها تحمل تفاصيل يصعب العثور عليها في الكتب، من الملابس وتسريحات الشعر إلى شكل البيوت والأثاث والعادات الاجتماعية.
“الصباح الجديد” توقفت عند اليوم العالمي للتصوير، لمعرفة كيف تحولت الصورة إلى أرشيف صغير داخل كل بيت، يحتفظ بملامح أشخاص رحلوا، وبيوت تغيرت، وشوارع تبدلت، وأزياء وعادات اجتماعية لم تعد موجودة بالشكل نفسه.
الباحث في التراث أحمد عبد الخالق قال لـ “الصباح الجديد”، إن دخول التصوير الفوتوغرافي إلى العراق لم يكن حدثاً حديثاً، مشيراً إلى أن المصور والرسام ألكسندر زفوبودا، المولود في بغداد عام 1826، يُعد من أوائل المصورين المحترفين في العراق، ويُرجح أنه جلب الكاميرا الفوتوغرافية إلى بغداد في حدود عام 1850.
وأضاف إن “رواية تاريخية أخرى تشير إلى أن عبد الكريم تبوني أدخل آلة التصوير إلى البصرة عام 1895، بعد عودته من الهند، حيث جلب معه استوديو تصوير بسيطاً، لذلك يصعب الجزم بسنة واحدة بوصفها تاريخاً نهائياً لدخول الكاميرا إلى العراق”.
وتابع عبد الخالق إن “التصوير بدأ ينتشر تدريجياً مع مرور السنوات، وانتقلت الكاميرا من كونها تقنية غريبة إلى وسيلة لتوثيق الأشخاص والأماكن والأحداث، وأسهمت البعثات الأجنبية والاهتمام بالآثار في توسيع استخدامها”.
وأشار إلى أن الصورة القديمة تمثل “وثيقة اجتماعية” مهمة، لأنها توثق الحياة اليومية للناس بعيداً عن الأحداث الرسمية، وتكشف تفاصيل من حياة المجتمع قد لا نجدها في المصادر المكتوبة.
من جانبه، تحدث الباحث في التراث مثنى البياتي لـ”الصباح الجديد”، عن محطة مهمة في تاريخ التصوير العراقي، تمثلت في تجربة المصور لطيف العاني، الذي ارتبط اسمه بتوثيق جوانب واسعة من الحياة العراقية خلال القرن العشرين.
وقال إن “علاقة العاني بالكاميرا بدأت عام 1947، عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، بعدما أهداه شقيقه كاميرا من نوع “كوداك”، وكانت لقطاته الأولى للحياة اليومية، من النخيل والوجوه والناس إلى الأسطح والشوارع”.
وأضاف إن “العاني دخل عالم التصوير المهني عندما التحق بمجلة “أهل النفط” عام 1954، وبدأ يوثق مظاهر الحياة العراقية والتحولات التي شهدها البلد، حتى أصبح أحد أبرز المصورين الذين حفظوا بعدساتهم ملامح العراق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي”.
وبيّن البياتي إن “عدسة العاني لم تقتصر على الشوارع والأشخاص، بل وثقت الآثار والمدن والمعالم العراقية، كما أصبح من أوائل المصورين العراقيين الذين التقطوا صوراً جوية للعراق”.
ويرى المصور الفوتوغرافي هشام طارق إن الصورة القديمة تتميز بخصوصية مختلفة عن صور اليوم، لأنها كانت تُلتقط في مناسبات محددة، ولذلك كانت العائلة تمنحها اهتماماً أكبر وتحافظ عليها لسنوات طويلة.
وقال إن “الكاميرا في السابق كانت تحتاج إلى وقت وجهد لالتقاط صورة واحدة، بينما أصبح الهاتف المحمول اليوم يحمل كاميرا متطورة في جيب كل شخص”.
وأضاف إن “انتشار الهواتف الذكية جعل التقاط الصور أسهل بكثير، لكنه في الوقت نفسه جعل الصورة أكثر عرضة للنسيان، وسط آلاف الصور المخزنة رقمياً”.
من جانب اخر قال المصور الفوتوغرافي علي داغر لـ” الصباح الجديد”، إن الصورة القديمة تبدو مختلفة تماماً في زمن أصبحت فيه الصور تُلتقط خلال ثوانٍ وتُخزن بالآلاف داخل الهواتف.
وأوضح، أن الصورة القديمة لا تحمل ملامح الأشخاص فحسب، بل تختزن تفاصيل زمن كامل، وتعيد إلى الذاكرة وجوهاً غاب أصحابها، وبيوتاً تغيرت، وشوارع تبدلت ملامحها، ومناسبات بقيت حاضرة في وجدان العائلات العراقية.
وأشار داغر إلى أن الصور العائلية تساعد الباحثين على قراءة جوانب من تاريخ المجتمع، مثل الأزياء والعادات والمناسبات وطبيعة العلاقات الاجتماعية، مبيناً أن قيمة الصورة لا تكمن فقط في الشخص الذي يظهر فيها، وإنما في التفاصيل المحيطة به أيضاً.
ويرى المصور مازن صاحب أن رحلة التصوير في العراق مرت بتحولات كبيرة، انتقلت خلالها الكاميرا من كونها أداة متخصصة تحتاج إلى خبرة ومعدات، إلى وسيلة متاحة للجميع عبر الهاتف المحمول.
وأضاف في حديث لـ”الصباح الجديد”: إن الصورة القديمة كانت تحمل قيمة خاصة، لأن التقاطها كان يحتاج إلى وقت وتحضير، وكانت العائلة تنتظر طباعة الفيلم لتحتفظ بها في ألبوم خاص، بينما أصبحت الصورة اليوم سريعة وسهلة، ويمكن التقاط عشرات الصور خلال دقائق.
وأوضح: أن التطور التقني لم يُلغِ أهمية المصور، بل غيّر طبيعة عمله، مؤكداً أن امتلاك هاتف بكاميرا جيدة لا يعني بالضرورة امتلاك عين المصور، لأن المصور الحقيقي لا يلتقط الصورة فقط، وإنما يبحث عن اللحظة والضوء والتفاصيل التي تمنحها معنى.
وأكد صاحب أن العراق يمتلك إرثاً مهماً في مجال التصوير، وأن الصور القديمة تمثل اليوم كنزاً بصرياً يوثق المدن والناس والأزياء والعادات والمناسبات، داعياً إلى حفظ أرشيف المصورين العراقيين ورقمنة الصور القديمة، حتى لا تضيع مع مرور الزمن.