بغداد ـ زينب الحسني:
لم تعد السجائر الإلكترونية، أو ما يُعرف بـ«الفيب»، مجرد موضة عابرة بين المراهقين، بل تحولت إلى ظاهرة تثير قلق الأسر والمختصين، في ظل تزايد الإقبال عليها بين الفئات العمرية الصغيرة، وسط سهولة الحصول عليها وتنوع نكهاتها وأشكالها.
ورغم الترويج للسجائر الإلكترونية على أنها أقل ضررًا من السجائر التقليدية، يحذر مختصون من مخاطرها، ولا سيما بسبب احتوائها على النيكوتين بتركيزات مرتفعة، الأمر الذي قد يزيد احتمالات الإدمان، فضلًا عن آثار صحية ونفسية قد تمتد لسنوات، خصوصًا خلال مرحلة المراهقة التي يشهد فيها الدماغ نموًا وتطورًا متسارعًا.
وفي هذا السياق، التقت «الصباح الجديد» عددًا من المختصين للوقوف على أبرز المخاطر الصحية والنفسية المرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية بين المراهقين.
مخاطر على الرئتين والدماغ
وقال اختصاصي الأمراض الصدرية والجهاز التنفسي، الدكتور حسين عبد العزيز، لـ«الصباح الجديد»، إن الاعتقاد السائد بأن السجائر الإلكترونية أقل ضررًا من السجائر التقليدية «ليس دقيقًا»، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمراهقين.
وأوضح عبد العزيز أن استنشاق النيكوتين بتركيزات مرتفعة قد يؤثر في نمو الرئتين والدماغ، فضلًا عن زيادة احتمالات الاعتماد على النيكوتين والإدمان عليه.
وأضاف أن استخدام السجائر الإلكترونية قد يؤدي إلى تهيج والتهاب الشعب الهوائية، وما يرافق ذلك من أعراض مثل السعال وضيق التنفس، إلى جانب احتمال حدوث مضاعفات رئوية مرتبطة ببعض منتجات التدخين الإلكتروني.
وشدد على ضرورة تكثيف حملات التوعية داخل الأسرة والمدرسة، فضلًا عن تشديد الرقابة والحد من سهولة وصول منتجات «الفيب» إلى المراهقين.
عوامل نفسية واجتماعية
من جانبه، أكد المعالج النفسي الدكتور وهاب أحمد الساعدي لـ«الصباح الجديد» أن تعلق المراهقين بالسجائر الإلكترونية لا يرتبط بالنيكوتين وحده، وإنما تتداخل معه عوامل نفسية واجتماعية متعددة.
وأوضح أن أبرز هذه العوامل تتمثل في الرغبة بتقليد الأصدقاء، والبحث عن القبول الاجتماعي، والفضول، فضلًا عن محاولة بعض المراهقين التعامل مع التوتر والضغوط اليومية من خلال استخدام «الفيب».
وأضاف أن الاستخدام المتكرر قد يؤدي إلى نشوء ارتباط نفسي بالسجائر الإلكترونية، بحيث يشعر المراهق بصعوبة التوقف عن استخدامها أو بالانزعاج عند الامتناع عنها، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على التركيز والمزاج والتحصيل الدراسي.
وأشار الساعدي إلى أن الوقاية تبدأ بالحوار المفتوح داخل الأسرة، وتعزيز ثقة المراهق بنفسه، وتوعيته بمخاطر التدخين الإلكتروني بأسلوب هادئ يقوم على الإقناع، بعيدًا عن التخويف أو العقاب.
سهولة الحصول على «الفيب»
وتشير أم أحمد، وهي موظفة وأم لأربعة أولاد، إلى أن انتشار السجائر الإلكترونية أصبح مصدر قلق متزايد بالنسبة إلى الأسر.
وقالت لـ«الصباح الجديد» إن «الفيب» أصبح متوفرًا في أماكن كثيرة، بدءًا من المحال الصغيرة والأكشاك وصولًا إلى المحال الكبيرة، فضلًا عن انخفاض أسعاره نسبيًا، ما يجعل الحصول عليه سهلًا بالنسبة إلى المراهقين.
وأضافت أن السجائر التقليدية كانت في السابق، بحسب رأيها، أصعب قليلًا في الحصول عليها، بينما تُباع أجهزة «الفيب» ونكهاتها المتنوعة اليوم وكأنها منتجات اعتيادية.
وترى أم أحمد أن الترويج والإعلانات أسهما أيضًا في زيادة انتشار هذه المنتجات، ولا سيما من خلال تقديمها بصورة توحي بأنها أقل ضررًا من السجائر التقليدية.
وطالبت بضرورة تعزيز الرقابة الأسرية ومتابعة الأبناء وتوعيتهم بمخاطر هذه الظاهرة، مؤكدة أن سهولة الحصول على «الفيب» وانخفاض سعره قد يدفعان بعض المراهقين إلى تجربته بدافع الفضول، قبل أن يتحول الاستخدام تدريجيًا إلى اعتماد يصعب التخلص منه.
ارتفاع مستويات النيكوتين
وفي سياق متصل، حذرت دراسة حديثة نُشرت في دورية «جاما للطب النفسي» من تصاعد مخاطر السجائر الإلكترونية على المراهقين، بعدما رصدت ارتفاعًا كبيرًا في مستويات النيكوتين داخل أجسامهم، ما يثير مخاوف بشأن احتمالات الإدمان وتأثير التعرض المرتفع للنيكوتين في الدماغ خلال مرحلة النمو.
وأوضحت الدراسة أن مستويات مادة «الكوتينين»، التي تُستخدم بوصفها مؤشرًا رئيسيًا على التعرض للنيكوتين، ارتفعت إلى نحو ثلاثة أضعاف لدى المراهقين خلال أواخر عام 2024، بالتزامن مع انتشار استخدام أجهزة السجائر الإلكترونية الحديثة.
واعتمد الباحثون على تحليل أكثر من 1900 عينة بول تعود إلى 150 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 13 و19 عامًا، وأظهرت النتائج أن جميع المشاركين الذين سجلوا أعلى مستويات من «الكوتينين» كانوا من مستخدمي السجائر الإلكترونية.
وربط الباحثون هذه الزيادة بارتفاع تركيزات النيكوتين في بعض الأجهزة الحديثة، إلى جانب التطورات التقنية التي تجعل استنشاق النيكوتين أكثر سهولة وكثافة.
وتزداد المخاوف من هذه المستويات المرتفعة من التعرض للنيكوتين خلال فترة المراهقة، إذ يكون الدماغ في مرحلة مستمرة من النمو والتطور، ما يجعل الوقاية والتوعية والحد من وصول هذه المنتجات إلى صغار السن من أبرز التحديات المطروحة أمام الأسرة والمدرسة والجهات الرقابية.