بقلم: رئيس التحرير
لم يكن تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة انتصاراً لتيار سياسي بعينه، بقدر ما جاء كإعلان هدنة مؤقتة بين القوى المتنافسة. فالعراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة يمكن وصفها بـ “حكومة الإنقاذ”.
رئيس الحكومة الجديد لا يمثل نموذج “الرجل القوي”، بل أقرب إلى “رجل المرحلة الممكنة”؛ شخصية “تكنوقراط” بلا خصومات، لكنها في الوقت ذاته لا تمتلك أدوات القوة التقليدية التي تحمي القرار السياسي. وفي بغداد، من لا يحميه سلاح، لا يحميه منصب.
اقتصادياً، تواجه الحكومة تحدياً بالغ الحساسية يتمثل في إدارة ملف الدولار والتحويلات المالية المرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي، حيث تلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في تنظيم تدفق العملة الصعبة. وبين خيار الالتزام الصارم بالمنصة المالية الدولية، بما قد يؤدي إلى استقرار سعر الصرف، أو التساهل مع السوق الموازي وما يحمله من مخاطر العقوبات، يجد صانع القرار نفسه أمام معادلة دقيقة تتطلب توازناً بالغ الحذر.
أمنياً، تظل احتمالات التصعيد قائمة، خصوصاً في ظل التوترات المرتبطة بهجمات محتملة على مواقع عسكرية مثل قاعدة عين الأسد، وما قد يتبعها من ردود فعل خارجية. وفي مثل هذه السيناريوهات، تُدفع الحكومة إلى خيارات صعبة بين الحفاظ على العلاقات الدولية أو امتصاص غضب الشارع، ما يعكس هشاشة التوازن السياسي.
خدمياً، تبقى أزمة الكهرباء أحد أبرز التحديات اليومية التي تمس حياة المواطنين مباشرة، حيث أن أي إخفاق في تقليل ساعات الانقطاع، خاصة خلال فصل الصيف، قد يبدد سريعاً أي رصيد شعبي تسعى الحكومة إلى بنائه.
في هذا السياق، تراهن الحكومة على مسارين رئيسيين لتعزيز بقائها: مشاريع استراتيجية كبرى مثل “طريق التنمية” لإقناع المجتمع الدولي بجدية الإصلاح، ومبادرات خدمية مثل التوسع في الطاقة الشمسية لطمأنة الداخل. غير أن هذه المشاريع تبقى رهينة التمويل الخارجي وشروطه، إضافة إلى تحديات الفساد الإداري ونظام المحاصصة الذي يعقد تنفيذها.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن الحكومة الحالية ليست حكومة بناء بقدر ما هي حكومة إدارة أزمات، حيث يُقاس نجاحها بقدرتها على منع التدهور أكثر من تحقيق إنجازات كبرى. إنها محاولة للحفاظ على توازن هش بين قوى الداخل وضغوط الخارج.
ويبقى السؤال الأهم: ليس ما الذي ستسعى الحكومة إلى تحقيقه، بل ما الذي سيكون ممكناً تحقيقه فعلياً ضمن هذه القيود المعقدة.