محيي المسعودي
تألق الفنان السوري سبهان آدم واتسعت رقعة شهرته عالمياً انطلاقاً من باريس التي فتحت جاليريهاتها له ليكون امتدادا مكملا للتيارات التحريفية بأشكال الفن التي بدأت بداية القرن الثامن عشر انطلاقاً من أوروبا، وتحديداً فرنسا حيث تبلورت فيما بعد وتسربت إلى معظم أرجاء العالم، وصارت تسمى عند البعض بـ – جمال القبح – ويقول آدم عن ممارسته للرسم: أرسم بسبب الوحشية المفرطة وكل ما يحصل من حروب ودماء مهدورة وسط هذا الهذيان الخارجي والعدم الفكري. يساعدني مناخ الدمار الذي نعيشه في سوريا والعالم والأمزجة الغريبة والمريضة للبشر، على الاستغراق في الرسم وتفكيك الكائن البشري والجماعات البشرية، كما أن شخصيتي المركبة تساهم كثيرا في خلق هذه المخلوقات من العدم.
سبهان آدم من مواليد مدينة الحسكة – في سوريا – عام 1972، وقد أصبح ظاهرة فنية أثارت انتباه نقاد الفن والفنانين والشعراء والكتاب والاعلاميين عربا وأجانب، وظل فنه يثير جدلا واسعا ورؤى مختلفة.
ونقرأ بعض ما كتبه الشاعر أدونيس عن سبهان آدم (ترجمان لليل الغريزة والجسد الليلي) إذ يقول: يا آدم أبعدني عن آدم هذا هو الصوت الذي نكاد أن نسمعه يخرج من لوحات سبهان آدم فيما ننظر اليها.
لا يصور سبهان آدم وجه الإنسان في سياق العبارة القرآنية “أحسن تقويم” فهو لا يصور ما يراه بل ما يتخيله في الأشياء التي يراها، كأن الوجه في رؤيته طين ممزوج بدمّين، واحد إنسي وآخر وحشي. وفصل في هذا المزج بين ما يسمى سماء وما يسمى أرضاً، بين العقل والغريزة، بين الأعلى والأدنى. هكذا يجيء الوجه طالعاً من هيروغليفية المخيلة كأنه يخرج من رحم الطبيعة في بدائيتها الأولى، نقيضاً “لجمالية” العقل والشرع في آن واحد، ويكاد الوجه فيما نتأمله أن يهجم علينا خشناً غاضباً ويبدو أحياناً انه ليس إلا كتلة من اللحم تلتحق بكتلة أخرى تسمى الرأس. ويبدو الرأس حيناً بعين واحدة وحيناً بأكثر من عينين أو بعين فوق أخرى في غير مكانها الطبيعي العادي. كأنه يلتصق هو الآخر، بما يشبه العنق الذي يلتصق بما يشبه الجسم. وتخترق أحياناً الكتلة التي تشبه جسم الانسان كتلة أخرى تشبه جسم حيوان – حمار غالباً، أو جسم طير هدهد احياناً.
الإنسان، هنا هجين بدئياً. فرأس الإنسان ليس إنسانياً إلا بنوع من التأويل البصري، وليس الوجه والحالة هذه “جميلاً” كوجه آدم ولا “مماثلاً” لصورة الله، إنه أقرب إلى أن يكون جزءاً مصغراً من جبل أو قطعة من صخرة أو شامة في جذع شجرة. هكذا يخرب سبهان آدم مصطلحات التمثيل، قاذفاً أشكاله الفنية في محيط من التساؤل والشك والحيرة، ويخيل إلينا كلما تأملنا في إحدى لوحاته أن كارثة تكاد أن تقع.
لهذا التشويه، تشويه الوجه والرأس والجسم غاية تتمثل في تحرير الإنسان من الشكل الذي فرضته تقاليد الجمالية الدينية، أعني تحريره من ضعفه الطبيعي وإضفاء قوة حيوانية عليه، لا يقصد أن يذوب صورة الإنسان في صورة الحيوان، وإنما يقصد انفصال الإنسان عن الشبه والشبيه كأن يقول لنا شكل الإنسان الطبيعي إنما هو شكل غير طبيعي وعلينا، لكي نقرأ الصورة أن نقرأ أولاً اللاصورة، أو شكلها المشوه. هكذا يجعل الشكل الإنساني يتحرك في الذاكرة الحيوانية الأصلية، كأنه يريد أن ينفخ التحول في ثبات الأنواع، خارقاً نظام التعارض بين الإنسان والحيوان. يجعل الجسم يغوص في البدائي الأولي ويدخله في نظام آخر من الرؤية مخرجاً، إياه من لعب المشابهات، كأن الإنسان حالة جسمية أكثر مما هو حالة عقلية تختفي “أنا الجسد في شبكة الشكل ويبدو الإنسان باحثاً عن نفسه يتساءل: هل أنا أنا؟” خصوصاً عندما ينظر إلى وجهه, فالوجه خاتم الشخص، وهو خاتم مكسور بملامح كائنات غير إنسانية، انه محرف عن طبيعته الإنسانية، مشوه، يرثا إلى إنسان غير طبيعي.
لهذا التشويه جمالية خاصة تتمثل في الاحتجاج، والتحريض، والتمرد، والعصيان، تتمثل كذلك في مزج الحياة بالرسم مزجاً عضوياً. اللوحة حياة والأنا كيان إنسي – حيواني، إنه مزيج يزعزع من جهة حدود الهوية الذاتية في اللوحة، ويولد في الشكل من جهة ثانية، قوة جديدة تتجاوز قوة الإنسان المعهودة.
وعن جمال القبح المتمثل بالاحتجاج في الفن التشكيلي وقواه الجديدة يقول د. اسعد عرابي: بقيت التوصيفات التي أطلقت في تعميم معنى القبح كقيمة فنية وجمالية مشروعة “توصيفات ناقصة” ومستهدفة في كثير من الأحيان. ورغم ذلك قدمت باعتبارها مدخلاً إلى مساحات لم تكن في حساب التطور التشكيلي الذي صيغ في القرون الوسطى تحت سقف الكنيسة وعين البابوية اليقظة، وأطرته فيما بعد الذائقة البرجوازية التي لم تعتد هذا الانقلاب الحرج في المفهوم الاعتيادي للوحة.
للوهلة الأولى يبدو الأمر مرتبطا ارتباطا حتميا بظهور التيارات التحريفية بأشكال الفن بداية القرن الثامن عشر انطلاقاً من أوروبا، وتحديداً فرنسا حيث تبلورت فيما بعد وتسربت إلى معظم أرجاء العالم وكانت إحدى صور التغيير الحاصل في البنية الثقافية عموما.
لكن بالنظر إلى التجارب المضافة على خط الاكتشاف البصري يبدو الأمر أبعد من ذلك بكثير. تلك التجارب التي ذهبت باللوحة إلى تحقيق شكل من أشكال القطيعة مع المفاهيم الجمالية التي أسست لها عهود الباروك وأعيد ترتيبها بفضل الأبحاث اللونية لبيكاسو وماتيس وميرو وكاندينسكي إضافة إلى الانطباعيين الفرنسيين ممثلين بمونيه ورينوار وغيرهم.
وعن حضور الفنان السوري سبهان آدم في حركة هذا الفن يقول عرابي: ضمن سياق هذا الفهم – الذي يجد له مرجعيات أكيدة وصارمة في أبحاث “فرانسيس بيكون وأبغون شيلي في وقت قريب – لمعت تجربة التشكيلي “سبهان آدم” الذي يشكل حالة باكرة وذات خصوصية في التشكيل السوري لعقد ما بعد ” – السبعينيات، وأحد أهم فناني مابعد الحداثة، حسب تعبير مجلة كانفاست الفرنسية.
“آدم” الذي استضافته “باريس” في أربع معارض متزامنة في (مركز أندريه مالرو، ايدي دارتسيت غابيني روي وفابريك) وتتمحور جميعها حول صياغات عابثة في “الأسود والذهبي”. حيث يؤكد آدم مرة أخرى على احترافه لغة الانتشار، تبعاً لأجندة فنية طويلة. قادته إلى لبنان ومدريد وروما ونيويورك وحالياً في باريس، وتذهب بمجملها إلى ترجمة فهم مربك وصادم في التعامل مع اللون والقماش وفضاء العمل.
في المجموعة الفنية الأخيرة يعود آدم للعمل عبر مساحة هائلة من التشويه والإحالات البصرية المتداخلة والسديمية في آن معاً – حيث يقف مدججاً برؤية قاتمة ترتبط بأوصالها بمسرحية الألم والخوف والإرهاب الذي يعانيه باستمرار.
ومع كل الوقائع التي خضعت للمصادفة ونسجت حياته التشكيلية وفق علامات فارقة، توزعت في ذهنه الفوضوي وارتحالاته اللونية العابثة. يؤكد سبهان آدم على أن تكويناته البشرية السابحة في فضاء معتم، تتشكل في لحظة المصادمة مع الذات، وهي ذات علاقة مباشرة بالتراكم النفسي والمعرفي لديه، لكنه يتوارى خلف سواتر سوداوية مباشرة، وتحرير حقيقي لنزقه الريفي الذي يتواصل معه بنسيج متشعب من الوشائج التي يحاول على الدوام الوصول بها إلى الذروة ليقذف بها دفعة واحدة على السطح الأبيض، وذلك وفق مزيج تركيبي من الصياغات اللونية، وتكثيف هائل من البورتريهات المشوهة والمغسولة بالخوف والشلل الذهني، والإعاقات الجسدية الكثيرة سيما وأن غالب أعماله تمدد على مساحات كبيرة، وهي مشغولة بمعظمها على قماش غير مثبت وبتقنيات منوعة ترتكز بشكل أساسي على الأكريليك إضافة إلى مواد أخرى.
آدم الذي يعد استناداً إلى بياناته اللونية في العاصمة الفرنسية “باريس” أن رؤيته للفن تتمنى تهديم الموروث الجمالي والدوغمات الكلاسيكية، وخلق نتاج يعمد إلى إعادة ترتيب أدوات الفهم التشكيلي في مناخات الرؤية الحديثة، وإنتاج فن يضيف ويؤثر ويعيد صياغة المعرفة الذهنية والشمولية للفن. ولذلك فإن الفن المستجد في القرن الواحد والعشرين سيكون “فن التجاوز” وأن الفنان يجب أن يكون ثائراً متفرداً ذا خصوصية ترتسم ضمن هذا التجاوز.
المعنى ذاته الذي يشير إليه أسعد عرابي في قراءته لتجربة آدم الأخيرة وذلك بقوله: “تعانق أعمال سبهان في عروضه الباريسية حشوداً وجماهير من المسوخ البشرية تستعيد انسحاقات الإنسان في شتى مراحله النفسية.
وتتخلص اشكال آدم وعناصره الاعتيادية من سجنها المحلي لتختنق في زنزانة الوجود العبثي وكان الفضاء الدرامي على رحابته حبيس قمقم من القمع والضجيج الروحي وقد تقتصر موضوعاته على كائن وحيد مختوم بحبال الشمع المؤسساتي الأحمر كما هي صور كائناته المعلقة من اقدامها وهواجسه اللونية التي تأخذ في غالب أعماله منحى كابوسي مفزع.