خالد صافي العكيلي*
في العراق، لا يمكن النظر إلى ملف السلاح خارج إطار الدولة بوصفه قضية أمنية تقليدية أو ملفًا إداريًا قابلًا للحسم السريع. فالمسألة تتجاوز ذلك بكثير، إذ تتداخل فيها بنية السلطة مع شبكات النفوذ، وتتشابك حدود الدولة مع امتدادات حزبية ومسلحة تراكمت عبر سنوات من التحولات السياسية والأمنية.
ما يظهر اليوم من حراك سياسي، ولا سيما في سياق زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى النجف، يعكس اتجاهاً لإعادة تنظيم هذا التعقيد ومحاولة ضبطه ضمن رؤية أكثر تماسكًا، بدل الاكتفاء بإدارته بصورة جزئية أو مؤقتة.
وتُفهم النجف في هذه اللحظة بوصفها مساحة سياسية ذات ثقل خاص، تُدار فيها ملفات حساسة تتصل بتوازنات القوة داخل البلاد. فالحضور السياسي فيها، وما يرافقه من لقاءات واتصالات، يضع قضية السلاح في إطار أوسع يرتبط بسؤال الشرعية: من يملك حق استخدام القوة باسم الدولة؟
ضمن هذا السياق، يبرز مقتدى الصدر فاعلًا سياسيًا قادرًا على إعادة تشكيل موقعه داخل المشهد العام، بما يجعل أي نقاش بشأن سرايا السلام أقرب إلى اختبار عملي لإمكانية انتقال جماعة مسلحة نحو الاندماج في بنية الدولة، بدل البقاء خارجها أو على هامشها.
وتتحرك الحكومة في اتجاه مقاربة تدريجية، تتجنب خيار التفكيك الشامل والسريع للفصائل، وهو مسار يصعب تطبيقه في الواقع العراقي، وتركّز بدلًا من ذلك على إعادة سحب هذه التشكيلات نحو مركز الدولة، وتقليص مناطق الحركة الرمادية، وصولًا إلى إعادة ضبط وضعها القانوني والمؤسساتي.
غير أن هذا المسار يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث تتوزع القوة الفعلية بين الدولة الرسمية وشبكات نفوذ مسلحة، بعضها يعمل ضمن الأطر الحكومية، وبعضها يحتفظ باستقلال نسبي في الحركة والتأثير، ما يخلق حالة من التداخل المستمر بين الرسمي وغير الرسمي.
وتكمن الإشكالية الأساسية في تعدد مصادر الشرعية التي يستند إليها وجود السلاح خارج الدولة. فهناك من يستند إلى خطاب “المقاومة”، وآخر يبرر حضوره بضرورة “حماية الدولة”، وثالث يستند إلى منطق “سد الفراغ الأمني”، وهو ما يجعل تعريف الاحتكار المشروع للعنف مسألة غير محسومة حتى الآن.
ومن هنا، يتجاوز شعار “حصر السلاح بيد الدولة” كونه هدفًا أمنيًا مباشرًا، ليتحول إلى مسار لإعادة تعريف حدود الدولة نفسها وطبيعة سلطتها على أدوات القوة.
أما مسألة دمج الفصائل داخل المؤسسات الرسمية، فهي تبدو من حيث المبدأ خيارًا تنظيميًا قابلًا للتطبيق، لكنها على المستوى العملي تنطوي على تحديات معقدة. فالأمر يرتبط بإعادة تشكيل البنية المهنية للمقاتلين، وضبط مسارات ولائهم، ودمجهم ضمن منظومة قيادة موحدة قادرة على تقليل التداخل بين الأدوار والهويات.
ولهذا، فإن أي تجربة من هذا النوع، بما في ذلك ما يُطرح بشأن سرايا السلام، سرعان ما تنتقل من إطار تنظيمي إلى ملف سياسي واسع التأثير، يمتد ليشمل توازنات داخل الأجهزة الأمنية نفسها.
وتعكس الإشارة إلى ما بعد عيد الأضحى كمرحلة محتملة إدراكًا لطبيعة إدارة الملفات الثقيلة في العراق، حيث تتحرك القضايا الكبرى عبر مراحل متقطعة، تتقدم في فترات التفاهم، وتتراجع تحت ضغط التوازنات المتغيرة.
ومع ذلك، فإن مسار الوصول إلى دولة تحتكر السلاح بشكل كامل يظل طويلًا ومعقدًا، إذ يقوم على مفاوضات متواصلة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الضمانات السياسية، ومصالح القوى الفاعلة مع حدود قدرة الدولة.
في المحصلة، ما يجري يمكن قراءته كمحاولة لإعادة تشكيل بنية الدولة من الداخل، عبر إعادة توزيع مراكز القوة الفعلية على الأرض، وإعادة ضبط العلاقة بين الرسمي وغير الرسمي. وإذا كان معيار قوة الدولة يقاس بقدرتها على احتكار العنف المشروع، فإن العراق ما يزال في طور إعادة تعريف هذا المعيار وصياغته، أكثر من تثبيته بصورة نهائية.
وبين طموح بناء دولة مركزية قادرة على ضبط المجال الأمني، وواقع تشكلت فيه قوى مسلحة في سياقات استثنائية، يظل السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة الدولة على ترسيخ مركزها دون الدخول في صدام مباشر مع التوازنات التي أسهمت في إنتاج هذا الواقع.
*كاتب عراقي