متابعة ـ الصباح الجديد:
في الثامن عشر من يونيو 1936، رحل مكسيم غوركي في منزله الريفي بضاحية غوركي-10 قرب موسكو، بعد أن تحول إلى أحد أبرز رموز الأدب الروسي في القرن العشرين.
وبعد مرور تسعين عاما على وفاته، لا تزال سيرته تثير أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، ليس فقط بسبب مكانته الأدبية، بل أيضا بسبب علاقته المعقدة مع السلطة السوفيتية، ولا سيما مع ستالين.
يصعب اختزال غوركي في صفة “الكاتب البروليتاري” التي التصقت باسمه لعقود. صحيح أنه خرج من بيئة فقيرة وعاش طفولة قاسية، لكن أعماله تجاوزت حدود الأدب الاجتماعي، فكتب عن الحب، وعن النفس البشرية، وعن الطبقات الثرية والتجار، كما كتب عن المهمشين. أما حياته الشخصية فكانت قصة صعود استثنائية؛ إذ انتقل من طفل بلا مأوى تقريبا إلى واحد من أشهر الكتاب في العالم، يحمل اسمه مسارح ومدن وسفن، ويجلس إلى جانب قادة الدول الكبرى.
حظي غوركي بمكانة لم يبلغها سوى قلة من الأدباء الروس. فقد احترمه لينين، ونسج علاقة معقدة مع ستالين، بينما عرفه العالم الغربي بوصفه أحد أهم وجوه الثقافة الروسية. وبعد وفاته تحول إلى رمز رسمي للدولة السوفيتية، لكن هذه المكانة أسهمت أيضا في حجب صورته الحقيقية خلف الدعاية السياسية.
شهد غوركي انهيار الإمبراطورية الروسية، والثورات الثلاث، والحرب الأهلية، وقيام الاتحاد السوفيتي. وكان شاهدا ومشاركا في واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في التاريخ الروسي، الأمر الذي جعل حياته تتقاطع باستمرار مع السياسة.
على خلاف لينين، الذي انصرف بعد الثورة إلى إدارة الدولة، كان ستالين قارئا نهما للأدب، يتابع أعمال الكتاب بنفسه ويعلق عليها، ويولي الثقافة أهمية استثنائية باعتبارها إحدى أدوات بناء الدولة الجديدة. لذلك عمل على إنشاء المؤسسات الثقافية ورعاية الأدباء الموالين، لكنه في الوقت نفسه لم يتردد في معاقبة من اعتبرهم خصوما، فارتفعت أسماء بعضهم، بينما أُعدم آخرون أو أُبعدوا عن الحياة الأدبية.