بغداد ـ وداد إبراهيم:
استعادت العاصمة بغداد جزءًا من ذاكرتها التاريخية مع إعادة افتتاح بناية “بريد الأقصى” في منطقة القشلة، بعد استكمال أعمال الصيانة والترميم التي نفذتها الهيئة العامة للآثار والتراث بالتعاون مع وزارة الاتصالات ودائرة الصيانة والحفاظ على الآثار، في خطوة تهدف إلى إحياء أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المراسلات والاتصالات في العراق.
ويُعد “بريد الأقصى” أول مركز بريدي في تاريخ العراق الحديث، إذ ارتبط ببدايات العمل البريدي الرسمي منذ العهد العثماني، ما أكسبه أهمية تاريخية وتراثية كبيرة جعلته محور اهتمام المختصين بالآثار والحفاظ على الموروث العمراني لمدينة بغداد.
وشهدت البناية افتتاحها الرسمي في 25 أيار 2026 بحضور وزير الاتصالات مصطفى سند، ورئيس الهيئة العامة للآثار والتراث علي عبيد شلغم، ومدير دائرة الصيانة والحفاظ على الآثار محمد البياتي، ضمن مشروع أوسع لإعادة إحياء المعالم التاريخية في منطقة القشلة، التي كانت مقرًا لإدارة الحكم العثماني وتضم عددًا من الأبنية التراثية المهمة.
وتُعرف القشلة بأنها واحدة من أبرز المناطق التاريخية في بغداد، إذ تضم مباني حكومية قديمة ومراكز للشرطة ومواقع إدارية وتراثية شكلت جزءًا من الحياة اليومية للعراقيين على مدى عقود طويلة، الأمر الذي جعلها مقصدًا للمهتمين بالتاريخ والثقافة والتراث الشعبي.
وقال محمد جبار، أحد رواد القشلة، إن افتتاح البناية يمثل محطة مهمة في مسار استعادة بغداد لمعالمها التاريخية، مشيرًا إلى أن البريد القديم يختزن ذاكرة أجيال من العراقيين الذين اعتمدوا عليه في التواصل وتبادل الرسائل مع مختلف مدن العالم.
من جانبها، أكدت رفل كريم أن إعادة تأهيل البريد تعكس اهتمامًا متزايدًا بالحفاظ على الهوية الحضارية للعاصمة، معتبرة أن القشلة تمثل “قلب بغداد النابض”، وأن صيانة هذه المعالم تعيد إحياء صفحات مهمة من تاريخ المدينة وتراثها الثقافي.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب التراثي فحسب، بل تمثل إعادة افتتاح البريد استعادة رمزية لواحدة من أقدم وسائل الاتصال في العراق، في وقت يشهد العالم ثورة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبريد الإلكتروني. ويرى مختصون أن المشروع يجمع بين المحافظة على الإرث التاريخي والاستفادة من التقنيات الحديثة في تطوير الخدمات البريدية.
وتتزامن هذه الخطوة مع توجه حكومي لإعادة تفعيل دور البريد الرسمي، عبر التنسيق بين الجهات الحكومية لاعتماد خدمات الشركة العامة للبريد في نقل الوثائق والمراسلات الرسمية، بما يسهم في تنظيم عمليات التخاطب الإداري وحفظ وثائق الدولة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الدولة العثمانية أنشأت مكاتب بريد في بغداد والبصرة والموصل وكركوك منذ عام 1863، فيما أدارت الهند البريطانية مكاتب بريد في بغداد والبصرة بين عامي 1868 و1914، ما يجعل البريد العراقي واحدًا من أقدم مؤسسات الاتصال في المنطقة.
ويعكس افتتاح “بريد الأقصى” اليوم حرص العراق على صون ذاكرته التاريخية، وإعادة الحياة إلى معالم شكلت جزءًا من هوية بغداد وذاكرتها الاجتماعية والثقافية على مدى أكثر من قرن.