نعمت عباس
في تاريخ الكرة العراقية شخصيات لا تغيب، مهما تعاقبت الأجيال وتبدلت الأزمنة، لأنها صنعت مجداً لا تمحوه السنوات. ومن بين تلك القامات يبقى الراحل عمو بابا علامة فارقة في مسيرة الرياضة العراقية، لاعباً مبدعاً ومدرباً استثنائياً وقائداً عرف كيف يبني المنتخبات والأجيال.
المدرب المحلي العراقي أنجب أسماء كبيرة تركت بصماتها مع المنتخبات والأندية، من عبد الإله محمد حسن وواثق ناجي وثامر محسن وأنور جسام وأكرم سلمان والدكتور جمال صالح وموفق المولى وسعد جميل وحازم جسام وعادل يوسف وعبد كاظم ويحيى علوان وراضي شنيشل وحكيم شاكر، لكن عمو بابا ظل واحداً من أبرز الأسماء التي صنعت أمجاد الكرة العراقية.
تميز أبو سامي بشخصية قوية وقرارات فنية مستقلة، فلم يكن يخضع لضغوط أو مجاملات، بل كان يؤمن بأن الموهبة وحدها هي الطريق إلى تمثيل المنتخب الوطني. ومن شجاعته الفنية أنه منح الفرصة للراحل أحمد راضي وهو في السادسة عشرة من عمره، ليقدم لاحقاً واحداً من أعظم المهاجمين في تاريخ العراق.
قاد المنتخب العراقي إلى إنجازات كبيرة، وأحرز ثلاثة ألقاب في كأس الخليج العربي، كما بلغ نهائي البطولة السادسة في الإمارات، وقدم أجيالاً من اللاعبين الذين حملوا راية العراق في المحافل العربية والآسيوية والدولية.
ولم تكن مواقفه داخل الملعب أقل شجاعة من قراراته الفنية. ففي إحدى بطولات الدوري العراقي، وبعد خسارة فريق الزوراء الذي كان يقوده بقرار تحكيمي أثار الكثير من الجدل، رفض الصعود إلى منصة التتويج واستلام الجائزة، معبراً عن موقفه الرافض للظلم، في صورة جسدت شخصيته الصلبة وإيمانه بأن كرامة الرياضة فوق كل اعتبار.. اليوم، وفي زمن كثرت فيه التدخلات وتراجعت فيه مساحة القرار الفني المستقل، يستذكر الوسط الرياضي عمو بابا ليس بوصفه مدرباً ناجحاً فحسب، بل رمزاً للنزاهة والشجاعة والإخلاص لكرة القدم العراقية.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في استذكار هذه القامة الكبيرة، ما أنشده الشاعر أبو فراس الحمداني:سيذكرني قومي إذا جدّ جدهم.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.. رحم الله عمو بابا، فقد رحل الجسد، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة العراقيين، وفي تاريخ كرة قدم ما زالت تفتقد من طينته