علي شبيب ورد
يكشف لنا الاطلاع على منجز القاص محمد الكاظم أننا أمام منجز متفرّدٍ
عن سواه، فهو يكشف عن سعيه الجاد لتأسيس مشروعه السردي الخاص به عبر عدد من
الأعمال اللافتة، من خلال تنقيبه النشيط في أعماق تضاريسَ جسدِ الحكاية
العراقية، وذلك عبر مجسّات إضاءة لعتمة تجاويف التراث، كاشفا عن مروياتٍ
مطمورةٍ، لا تخلو من جدلٍ مثمرٍ، بين صحةٍ وظنون. لذا ستتهشَّم عجلة مشروعنا
(كولاج تأويل) من أثر الارتطام بمعمار (كتاب آكلي الحو) للقاص (محمد الكاظم)
الصادر ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق/ بغداد 2026، لذا
سنعيد تركيب عجلة مشروعنا أمام هذا الكتاب، عبر ثلاثة كولاجات تأويل، واستدراك،
وملحق رؤيوي، وكما يلي:
كُنْهُ طائفةِ آكلي الحَوّ/ كولاج تأويل أول:
يَدَّعي (كتاب آكلي الحَوّ) أنه يمثل طائفة افتراضية لمؤلف نصوص
افتراضي قد يكون هو القاص (محمد الكاظم) وقد يكون غيره. حيث كتب في تمهيد الكتاب
(نحنُ مجرّد أبناء طائفة من فردٍ واحدٍ…) ثمَّ منحها تسمياتٍ أو صفات عدة:
(الهوام/ الحبّابين/ المسحوقين/ المنتوفين/ المُتَأْتِئين/ آكلي الحَوّ). وهنا
يشير، الى أن جماعته هم مجردُ أناسٍ بسطاءٍ ذوي سلوكٍ قويمٍ، و(من فردٍ واحدٍ)
وليس مجموعة أفراد. ومع أنه لم يكشف لنا من هو هذا – الفرد الواحد- الذي ينتسبون
له، غير أنني وحسب أظنُّي، الذي هو سلاحي النقدي الأثير، أن الفرد الواحد هو
(محمد الكاظم) نفسه حينما ينظر الى الجماعة بمنظار الذات.
هذا القاص أسَّسَ قبل هذا الكتاب، مشروعا سرديا مبتكرا، يلاقح بين
مدونات الحكّائين المحجوبين، وبين مجريات الراهن، لإنتاج ما يمكن أن نسمّيه (نص
القارئ) الذي لا يتهيب التحرر من التبعية للأبويات الثقافية المزعومة. والذي لا
يكتمل إلّا عند القارئ، حيث تتنوع قدرات المتلقين. ولحاجة هذا النص لقارئٍ ماهرٍ
يحلُّ لغزَ فراغات النص، يبرز دور (القارئ الحاذق) وفائق النباهة، ليكتمل تأثير
(نص القارئ) خلال عملية الاتصال والتلقي. فالمشروع الذي ابتكره الكاظم يدعو الى
سردية حرة شجاعة تعيد قراءة ومن ثمَّ تأويل كتب وأسفار وحوادث وتداعيات بسطاء
الناس (العظام/ الطيبين/ المطحونين/ المهمّشين/ المنفوشين/ آكلي التبن) كي يعيد
لهم حقوقَهم في حياةٍ معافاةٍ وعيشٍ سعيد.
لعبة غبار الحكايات/ كولاج تأويل ثانٍ:
في هذا القسم يحتفي القاص بطريقته بأسفار كبار الطائفة من المفكرين
والمبدعين المعاصرين (غاستون باشلار/ جواد سليم/ غونتر غراس/ محمد خضير) ويعرض
لنا مزيجا من نصوص معاصرة ونصوص اعادة كتابة مبتكرة لمدونات قديمة. بدءا بسردية
فجائعية عن كارثة موفق محمد، ومرورا بأشكال تدوين منمنمات المرويات والحكايات
القديمة، حيث ينشطر المتن الحكائي الى تشظيات شروح وهوامش، وبأحجام متنوعة. ثم
نص (العم) عن الولائم السرية التي يقيمها أحد المحجوبين السبعة، وعبر لعبة (غبار
الحكايات) المتنوّعة التي تمارس فيها طقوسٌ، وتقام فيها ولائم مدهشة عمادها
أطباق من حروف الأبجدية العربية.
النص فيه سردٌ مبتكرٌ عن طقوس ولائم الجماعة، وتذهب مخيلة (محمد
الكاظم) الى إيقاض الحكاية من سباتها في كتاب (النصائح البهية في الدعوات السرية
والولائم الباطنية) ومنحها حيوية (طاقة الحكي) التي تحيي الكلمات من موتها
الورقي، لتقدِّمَ عروضَها البانورامية أمام المتلقي. (كان رقص الحكايات الفتية
اللدنة الحاملة لزينتها اللامعة يجري بقوة غامضة يسمونها طاقة الحكي، يضخّها
الرجال الكهول في الغرفة فتصل الى أوردة الحكايات وأجهزتها العصبية، فتبدأ
بالتمايل على صوت خرخشة الكلمات، وعلى إيقاع دفوف وطيران وبنادير وطنابير وصنوج
نحاسية) ص31. وفي قصص أخرى يأخذنا الى فن المقامات حيث السجع والموسيقى والغناء،
ثم الى طالب مكي وفن رسوم الأطفال وفن الكاريكاتير، وأخيرا يقف وقفة لافتة أمام
منجز الرسام والخطاط يحيى بن محمود الواسطي ليطوعه لاشتراطات
السرد.
زيتونية الفساد وقداسته/ كولاج تأويل ثالث:
ذكرَ القاص رأي (علي الوردي) الذي ينصَّ على أنَّ (الأفكار كالأسلحة
تتبدّلُ بتبدّل الأيام. والذي يريد أن يبقى على آرائه العتيقة هو كمَنْ يريدُ أن
يحاربَ الرّشّاش بسلاح عنترة بن شداد). وهو يشير الى استمرار أخطاء الفائت
المنتجة لسيول الدم في بلادٍ صارت تقدِّسُ الحُزنَ وتُدَنِّسُ الفرح. ففي قصة
(حفلة صيد الماعز) نجح في عرض حفلات رقص الكلاشنكوف، وهي تزخرف ثقوبها على جماجم
المعتقلين، هذه الفجائعية لم تفارق الحاضر واستمرت في إنتاج الألم، حتى بعد زوال
العصر الزيتوني. كما تناسلت عروضها الدرامية في قصة (موسم ثريد الباميا)
وبأشكالٍ شتى، وبإيقاعِ الفوضى، ولغاياتٍ مجهولةٍ. وعلى قرع طبول الموت، يغيِّرُ
خيط الدم نبضات سيوله، بحركات مجاميع أميبية، تمزج بين أناشيد يس.. يَم (أبو
صدام سابقا) وأناشيد يس.. يَم (أبو حوراء حاليا) التي تبدو أناشيد واحدة في بعض
الأحيان.
حرب الإرادات هذه، ظلت تتواصل في بلادٍ لم تنجح في تحسين علاقاتها مع
قاطنيها ومع الآخرين، لكونها لم تتحرر من جبروت الماضي، بل تمادتْ شراسةً وفسادا
وجوعا وبؤسا وحرمانا. فبعد انتهاء (محارب الفساد) من القاء محاضرته في مؤتمر
مكافحة الفساد، يكتشف سرقة أغراضه. فهل ينتهي الفساد؟! وفي المحكمة، يرَدَّ
المتهمُ جاسم (الكافر) بالقول (الذي لا يجوع، لا يحقُّ لهُ أن يُكَفِّرَ من
يجوع). فهل هو كافر؟ وبعد سبع سنين من الضياع في مهن مُهلكة، يسلّمَ الخريجٌ
(قصاصة الحاج) الذي أوصى بتعيينه. الى مديرِ مكتبٍ تُزَيِّنُهُ مسبحةٌ، وسجادةُ
صلاةٍ، وقصاصاتُ ورقٍ ملونةٌ كثيرة. ترى متى تقلُّ حشود الخريجين العاطلين؟
بينما نلمس السخرية من انتخاباتٍ تُعتمَدُ فيها صورة المرشح، للتعرف على توجهه
السياسي وموقعه في (موجز تاريخ الشوارب واللحى) خدمة للمحاصصةِ المقدّسةِ في
العملية السياسية.
استدراك:
بعد ما ذهبنا إليه أعلاه، نوجز أهم ما لمسناه من سماتٍ في قصص (كتاب
آكلي الحو)، وكما يلي:
– النصوص القصصية للكتاب، تناولت أهم المعضلات التي واجهت المثقف
العراقي، في ماضيه الغامض، وراهنه المعقد والفوضوي، برؤى نقدية مؤثرة في المتلقي.
كما أنها عرضت سرديات تفرّدت بتجاربها التأسيسية، الخارجة عن المألوف والتقليدي
والمتعارف.
– يحوي الكتاب بانوراما حكايات لعوالم شعبية مهجورة اجتماعيا، ومهملة
سرديا، فكُنّا أمام مرويات مذهلة لكائنات منقرضة، إذْ تمكن القاص من فتح صناديق
أسرارها المقفلة، لتتوهج أمامنا أساطيرها المكتنزة بالرموز والطقوس والتجليات
الصوفية وهوس الدراويش وشطحات الهراطقة، وسواها.
– وفّرَ لنا القاص فرصة التَّعَرُّفِ، على جماعة الحرفيين من
الوراقين، والمزوّقين، والخطّاطين، وصنّاع المنمنمات، ومنضدي كتب التنجيم
ومدونات الجَفر، ومزخرفي المتن وتشظيته الى حواشٍ وشروحاتٍ وتعليقاتٍ، والى كلِّ
ما يمنحه تعالقا جماليا بين التراث والحداثة.
– ثبت لنا أنَّ النصوص الماثلة، مُستلَّةٌ من خام الحكاية، وطين
المروية، ومصداقية شفاه الراوي، فكانت بعيدةً عن تعاليم ووصايا سابقة، بل هي
فتوحات خاصة بالكاتب التي لا يتكئ إلا على تجربته. ولمسنا فيها جريان سردٍ
متمردٍ على ما جرى، بحثا عما يجري، إنها حقّا متمرّدة على بنية سرد الفائت، من
خلالِ صياغةِ بنية سردٍ الآن وما بعده.
– لمسنا في النصوص، تداخلا سرديا، باعتماد البيانات والنصوص والوثائق
ومزجها داخل حركة السرد، لتتحول القصة، الى كاميرا توثيق وتأويل للتحولات
الاجتماعية عبر التاريخ. وهذا يشمل مختلف نصوص الفصول المعنونة: أسفار كبار
الطائفة، والعهد القديم، والعهد الجديد، والعهد القادم حتما.
– إنَّ اهتمام القاص بمعمار النص وريازته الزخرفية، يهدف الى تحويل
القارئ، من مستهلك الى منتج، عبر مساهمته في تخليص اللغة من محنة حملها ثقل
البنى الدلالية، وذلك عن طريق تفكيكه للبنى السيميائية.
– تمكن القاص من تحديث التداخل في الأزمنة والأمكنة، عبر تقطيع الزمن
والتلاعب بتسلسله، بالإضافة الى عرض سرديات وأحداثٍ من بيئاتٍ أو مناخاتٍ مكانية
متنوعة. كما نجح في تنويع أشكال عرض اللغة، بالإفادة من الثراء الدلالي للهجة
الشعبية الشفاهية والمدونة التراثية، وكذلك من البعد الفلسفي، لمنظومة الرموز
وغموضها الساحر لدى المتلقي.
– القاص حاول تحريض المتلقي على قراءة وتأويل الفراغات السردية بين
الكلمات والجمل والمقاطع السردية، التي جرى عرضها، وفق بنية التكرار حينا، ووفق
بنية التدوير حينا آخر. كما تواصل معه بشكل مباشر وبشكل غير مباشر، ليبيّنَ له
أن ما يجري هو سرد وليس واقعا، لتحفيزه على التفاعل مع الأحداث
وتداعياتها.
– نشير أيضا الى تعددية وتنوع الأصوات السردية، من خلال تعدد وتنوع
المنظور السردي للرواة، فقد يكون الراوي بشرا أو حيوانا أو نباتا أو آلة، وهذا
ما بدا لنا واضحاً في قصص: فئران هامسة في أذني موفق محمد، ومقامة الكمنجاتية في
الظرافة وعلاج الأرواح المعطوبة، وأرانب طالب مكي الثلاثة، وحفلة صيد
الماعز.
– الإفادة من وسائل التواصل الاجتماعي، لاستخدام وسائط متنوعة غير
اللغة، وذلك بالتناص مع الفنون المجاورة الأدبية وغير الأدبية، لتخصيب بنية
السرد القصصي. بهدف الابتعاد عن تأثير الوصايات والتعاليم المكرّسة للسرد
التقليدي، لجعل السرد، أكثر جدوى في التأثير على جمهور أوسع من المتلقين
الباحثين التنوع المعرفي.
ملحق رؤيوي:
وصف لنا القاصُّ (محمد الكاظم) مشهد (غبار الحكايات) الساحر، وما ظهر
فيه من كائنات غرائبية مدهشة، وجاء فيه (خرج ثوار وعطارون ومهربو سجائر وعسكر ميري
وحرس قومي وميليشيات وأحزاب معارضة وقفّاصة ونشّالون ومعمَّمون وقُرّاء مقام
وكتاب تقارير تكسر الرّقبة وصانعو محتوى نصف سكسي) وهذا يشير الى أن النص السردي
متواصل في حركة تحولاته قديما وحاضرا ومستقبلا، بفعل التناسل الحكائي عبر الزمن.
لذا نراه يؤسس لنصٍّ متجددٍ دائما، ومغايرٍ لما هو تقليدي، ومتحررٍ من أغلال
الأبوية والثوابت، نصٍّ منمنمٍ بآمال المدونين والمغرِّدين بالمشاكسات للجبروت
والضراوة. هو يدعو لنصٍّ يبحث عن قارئٍ يبحث عنه أيضا، قارئٍ نشيط يُحْيي
ويُميت، يحيي النصَّ خلال زمن القراءة والتأويل، ويعيده الى موته بانتهاء زمن
القراءة.
(العهد القادم….). جملة وردت في آخر صفحة من الكتاب، ترى… هل انتهى الكتاب؟ الجواب وفق ما تلقينا: لا.
لأن الكتابَ بالأصل هو ليس بداية لمشروع القاص السردي، بل هو تكملة لكتب سبقته.
ولإصرارهِ على مواصلة المشروع، يتركنا أمامَ فراغٍ نَمْنَمَتْهُ أربعُ نقاط،
ويدعونا لطرح حزمة أسئلةٍ، حول نصوصه القادمة. فهو لا يبحث عن (قصَّةٍّ قصيرةٍ
مُتَغَيِّرَةٍ أبدا) وحسب، بل عن قارئٍ قادرٍ على ابتكارِ عدةِ تآويلَ لها، كي
تكتمل دلاليا عنده.