
خلف محراب مسرحنا الذي بات يلفّه ضباب الغموض، ينتصب أشباح (البوقچية)؛ أولئك الذين يغتالون الإبداع ببصائر غاشية لا تُدرك حقيقة الجمال، وعقول قاصرة لا تعي سيمياء الرسالة الفنية، إنهم (أباطرة الزيف الجمالي المتأنق) و(سدنة التضليل الفني الرصين) الذين يلفظون أصواتا نشازا، فلا يكتفون برشق الابداع بسهام الرداءة، بل يغتالون كل أثر تجلى فيه السّمو ويُنبئ بالانعتاق نحو فضاءات الانتشاء الجمالي، هؤلاء لا يمتلكون أدوات النقد الرصين، ولا يملكون فطرية المتلقي البسيط الذي ينساق خلف براءته في إبداء الانطباع؛ بل هم أصداء عقيمة لعتمة سراديب رؤاهم المظلمة الموءودة بالخديعة؛ يتسكعون في أروقة المسرح يوزعون أحكاما لم تشرق من يقين المعرفة، بل استعارت وهجها الزائف من ضجيج الحقد، أو جمرات الغيرة، أو محض السفاهة؛ فجاءت آراؤهم كخشب يابس، لا يورق حكمة، ولا يثمر وعيا.
إن هذه الظاهرة، على ندرتها في صفوف حملة الألقاب المعرفية والمكانة المهنية الرفيعة في حقلنا الفني، تضعنا أمام مأساة أخلاقية وجمالية لا تخطئها البصيرة الفنية الثاقبة؛ فثمة من يرتدي قبعة التبحّر الفلسفي تارة، وكوفية النخبة البرّاقة تارة أخرى، ليواري خلفها خواء البصيرة الجمالية وتصدّعات النخبة المزيّفة، إنهم (ببغاوات النقد) الذين يتربعون خلف أقنعة العارفين، ليرتفع صخب أصواتهم الخاوية في محاولة عبثية لخنق صوت الإبداع بفأس الصمم المعتوه، وحينما يتربّع الجهل على منصة القضاء النقدي، تتجلى لنا خناجر الترديد الأعمى مغروزة في صدر الإبداع؛ فهم يسبغون على جهلهم ثوب الخبير المتذرّع بوقار الرصانة، ليحرروا صكوك الطعن بالمبدعين، ويحوّلون براعتهم في التزييف إلى معول حادّ، لا يُراد به إلا إجهاض لحظات الدهشة التي قدّمها مبدع معيّن، وتشويه سحر الجمال المتجلّي في نتاج مسرحي محدد، واغتيال نُبوغ المبدعين في مهده، وبما أنهم، في جوهر ممارستهم، مجرد ببغاوات تقتات على آراء الآخرين، فقد عملوا على تغييب العقل النقدي حتى استحال الاستنساخ الأخرق بديلا مفضّلا لديهم عن البصيرة الجمالية المبتغاة، إنهم كمرايا مشروخة لا تملك سوى اجترار صدى الإبداع بآذان غيرها؛ وينطبق عليهم بمرارة ذلك المأثور الشعبي (مراية تلمع …. بس ما تعكس إلا عيوبها)؛ فواجهاتهم الموشّاة بسمياء الوقار العلمي توحي بالرصانة، بيد أنك ما أن تستنطق نقدهم، حتى تكتشف أنك أمام أصداء ميتة، لا تملك من وعي الفن إلا صخب الضجيج الفارغ والمفتعل، أولئك الذين يملؤون الأوساط الفنية ضجيجا بأحكام جاهزة، ليسوا سوى تجسيد للمثل العراقي الدارج (الطبل الفارغ صوته عالي)؛ فكلما خلا الرأس من البصيرة، ارتفع صراخ الادعاء، وكأن تضخّم الصوت يمنح أصاحبه حقا مستباحا في تصدير فراغهم، وتمرير زيفهم على مسامع الحقيقة، والمأساة تبلغ ذروتها حينما تصدر هذه الأصداء الباهتة العقيمة عن بعض حملة الألقاب العلمية وأصحاب المكانة المهنية؛ فإذ يتخذهم شبان المهنة وطلّابها معيارا ومرجعا، يغدو مسارهم مسلكا محفوفا بالخطر؛ حيث يتبنّى الناشئة وجهات نظر مسمومة تجاه عناقيد الجمال ونبوغ المبدعين الحقيقين، إن هذه السطور ليست إلا صرخة حُرقة في وجه العبث الذي ينهش جسد المنظومة النقدية، ونداء استغاثة للذود عن حياض النقد، مُصوّبة مجهرها نحو رياح الارتجال الأحمق، والثرثرة الشفوية الهوجاء، والممارسات اللسانية الرّخوة؛ تلك التي باتت تُعكّر صفو التجربة المسرحية، وتُكبل خُطى المبدعين عن بلوغ مداراتهم الجمالية، وتُسهم بوعي أو دونه في اغتيال براءة الابداع المسرحي ومستقبله الواعد، فهؤلاء لا يتورعون عن استلال خنجر الطعن في جوهر العرض المسرحي؛ إخراجا وتأليفا ورؤية، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء المشاهدة، مكتفين بترديد الأصداء المتواترة من الأقوال، وبكل صلافة يفصحون (آني مشفت العمل، لكن أثق برأي فلان أللي شافه)، وكأن الفن بات شهادة زور يُتناقل فيها تغريب الانصاف ومصادرة الدهشة، وهنا يحضر بمرارة مأثورنا الشعبي (مو كلمن صخّم وجهه كال آني حداد)؛ فامتلاك الصفة المهنية أو بريق السمعة لا يمنح أحدا صكّا مطلقا ليكون حكما على الجمال؛ فليس كل من امتطى صهوة المكانة الفنية، امتلك بصيرتها أو ادرك اسرار مجهرها الجمالي؛ فشتّان بين من يحمل لقب المهنة، ومن يحمل نبضها المسرحي المتّقد.
في جوهر موروثنا الشعبي تكمن حكمة عفوية تضع النقاط على الحروف إذ تقول (راسه چبير وعقله صغير)، إشارة إلى أن ضخامة الواجهة أو شموخ محراب المسؤولية، لا يعنيان رقيّ الفكر الفني أو اتساع الرؤية الجمالية؛ فليست كل الرؤوس الكبيرة أوعية للوعي؛ فبعضها يغدوا فضاء رحبا للفراغ، حيث يرتدّ صدى الجهل مدوّيا كلما اتسعت مساحاته في الأفق الذهني، وليس كل من اعتلى مقاما كان متوشّحا بوقار استحقاقه، فيا لبؤس بصائر حجبها الغرور، وأوهمتها أبّهة المرقى وبريق المقام بأن لها الحق في حجب الضوء عن زهرات الابداع في مواسم عطائها، فصار ديدنها تكبيل نبض صنّاع الدهشة، وحملة أطياف الخيال، المترهّبين في محراب الجمال؛ إذ تعمد إلى حجب انسياب جدول الرؤى، وتكمم أريج الإبداع في مهده؛ لتبقي المسرح ظامئا لا يرتوي إلا من صدى أصواتهم النشاز؛ إن من يسرق رأي غيره ويذيعه نتاجا لفكره، هو في غمرة تخبّط فكري؛ ينتج مسخا من الآراء؛ لا أصل له ولا فصل، إننا هنا لا ندعو إلا لتغليب نور البصيرة على عيون أضناها الهوى، ونكشف غشاوة أقنعة (خبراء الزيف) لنسترد للمسرح ضوئه الذي تغتاله أصوات النشاز الصارخة في عقمها الجمالي، فإما نقد يشيّد المعرفة بوعي، أو صمت يترفّع عن حياكة الزيف، حفظ لماء الوجه أمام قدسية الجمال المسرحي لمفجّري المنجز الفني الخلّاق.