ليث
عبد الغني/ أوسلو
ثمة أشخاص لا يحتفظون بالصور بوصفها لحظات عابرة، بل بوصفها حياة
أخرى لا يريدون لها أن تختفي. تصبح الصورة عندهم أكثر من ورقة أو ذكرى، وتصير
محاولة لمقاومة النسيان، وطريقة خفيّة لإبقاء الوجوه حيّة مهما ابتعدت أو غابت
.
من بين هؤلاء، قد يظهر هادي الحسيني واحداً من أكثر الناس انشغالاً
بإنقاذ اللحظة من الضياع .
ليس هادي الحسيني مجرد صاحب صورة، بل صاحب الوجوه التي مرّت في حياته
واستقرت في ذاكرته. لا يبدو منشغلاً بالحضور في الواجهة بقدر انشغاله بالتقاط
اللحظة نفسها، وتلك اللحظة التي يتركها تهدأ داخله، كما لو أنها جزء من أرشيف
شخصي للحياة .
قد يغيب عن الجلسات واللقاءات، لكنه لا يغيب عن الذاكرة. فكل من
يعرفه يحتفظ بصورة ما عنه، أو بأثر موقف عابر بقي حياً بالرغم من مرور الزمن.
هناك أشخاص لا يتركون حضوراً صاخباً، بل يتركون ما هو أبقى الأثر
.
امتلك هادي الحسيني عبر سنوات طويلة شبكة واسعة من العلاقات مع أدباء
وفنانين ومشاهير عراقيين، وظل يحتفظ بصورهم، كما لو أنه يحرس ذاكرة كاملة من
التلاشي. لم تكن الصورة بالنسبة إليه مجرد توثيق، بل امتداداً للذاكرة نفسها،
وطريقة لإبقاء الوجوه حية حتى بعد الغياب.
وأحياناً، حين أتأمل أرشيف صورة، أشعر كأن الأشخاص يخرجون من الصور
والنصوص معاً، ويحدّقون بصمت، ويتحدثون بلسانه المؤجل. وحين كتب ذات مرة عن
الحنين والمنفى، بدا كأنه يكتب عن ذاكرته كلها، لا عن شخص واحد
فقط:
«أجلسُ وحيداً في بلادٍ بعيدة
لا يدخلها ضوء الشمس
أتصفح صوركِ القديمة
التي احتفظ بها منذ التقينا
قبل حربين أو أكثر
أتصفحها صورةً بعد أخرى
بينما قلبكِ المبتسم
يحدثني عن الشوق
فأذوب بوجده
ينتابني الحنين إليكِ
أبكي .. فيكسرني الكبرياء
..
في أحد اللقاءات، وقف أمامي، كما لو أن المشهد كان مؤجلاً منذ زمن
بعيد. صعد إلى المنصة إلى جانب أخيه ستار موزان، وتشاركا إلقاء الشعر بكلمات
انسابت بهدوء في المكان، حتى بدت اللحظة أقرب إلى ذاكرة تُستعاد بالصوت، لا
بالكلمات وحدها، وكأن الشعر هناك كان يستدعي ما لا يقال .
يرتبط هادي الحسيني بالمدن، كما يرتبط بالوجوه. بغداد بما تختزنه من
طبقات الذاكرة، وعمّان بما تحمله من تحولات وانتقالات، وأوسلو بما تمنحه من هدوء
مؤقت يعيد فيه ترتيب ما بعثرته المدن السابقة. أما الكتابة عنده، فهي امتداد لكل
ذلك، وهي محاولة دائمة للإبقاء على ما يمر حياً في اللغة والصورة معاً
.
ومع كل غياب، يترك أثراً جديداً، كأن حضوره لا يكتمل إلا حين يتحول
إلى ذاكرة.
هادي الحسيني لا يوثق الوجوه فقط، بل يمنحها فرصة أخرى للبقاء
..
هادي الحسيني