*ماجد الحسن
ــ كيف أصادفُ طرقاً لا يلّوح بها الغبار؟
ــ ولماذا همس سقراط في أذني ليؤكد لي (أعرف نفسك)، وكيف يتسنى لي
هذه المعرفة وأنا المحتدم بالضياع والتندر، ولا سراج عندي يقودني إلى البصيرة؟
كل هذه الأسئلة وأنا أترقب ما تؤول إليه مغامرتي التي قادتني إلى قسم
الفلسفة ــ جامعة بغداد، وهكذا وجدتني منغمساً بين واقعين، الخيال ونوازع الشعر،
والعقل ومسار الحقائق، وكثيراً ما كنت أقول بسري وبتحدٍ مؤجل إن رحلة الشعر
والفلسفة كالبذرة الطيعة التي تشق طريقها في أرض صلدة، أرض لا أحد يجيد حراثتها
دون أن يمتلك قوة المحاولة، وأنت في هذا الطريق المتعرج والموحش لا تكفي الأحلام
والأمنيات، بل أفتح خزائن التحدي ولتكن المحاولة بيدراً أو غباراً، وفي كلا
الحالين لا بد أن تستجيب لنداء سقراط.
كثيراً ما تواجهني أسئلة لا أستطيع الرد عليها وفي كثير من الأحيان
اتجاهلها درءاً للإحراج أو لا أملك الإجابة الشافية، من هذه
الأسئلة:
ــ ما نفع دراسة الفلسفة التي لا تغني من جوع ولا تسمن؟
كل هذه الأسئلة وغيرها تدفعني إلى التمسك بمشروعي الذي أنتظره حتى
ينفض الغبار عن طموحي الشعري، وإزاء هذا الانتظار أكل الفقر والعوز أيامي
المكللة بالسهر وأحياناً باللاجدوى، على الرغم من كل العوائق التي وقفت في طريقي
إلا أنني مصرّ على شراء الكتب والبحث الدائم في زوايا المكتبات الضيقة والمغبرة
التي يعج بها شارع المتنبي، رحلة بحث دائمة عن كتاب يوقظ في داخلي رغبة التحرر
من ضيق الأفق وأحياناً أجد فيها إجابة عن مجمل الأسئلة، وأعتقد حينها أن إجاباتي
لا قيمة لها مع ناس لا تدرك قيمة العقل في الكشف عن الحقائق، ولا تعرف ما الذي
تعنيه الفلسفة لشاب أخذته دوامة حب الشعر.
على الرغم من كل هذا الهوس وأحياناً الجنون يبقى سقراط بحكمته الآنفة
بوصلة طموحي، ولكن لا بد أن أعرف نفسي وسط أمواج متلاطمة، ومهما أتمسك بخصوصية أفكاري فإن مؤشرات المحيط الاجتماعي
لا تدرك محنة إنسان مصاب بمحنة سيزيف، وهي مغامرة لذات ممتحنة بالتناقض بين ما
تراه العاطفة وما يقرره العقل، ولذا بتُّ على طرفي نقيض في محيط يجهل حلم يحاول
الانفلات من عتمة الحضور وغيبوبة المغامرة، ولكن هناك رغبة عميقة من الانعتاق
واتباع طريقتي الخاصة في المواجهة، وأن أستمر بمحاولاتي ما استطعت، وأول عتبة
لتلك المحاولات أن أنضّج فورة الدم فوق دفاتري، وأعرف إلى أين سيقودني هذا
الطريق، ولكن ليس بإصرار أعمى.
لقد أدركت أن لكل من الشعر والفلسفة، تجربته الخاصة، وتلك التجربة هي
الكشف عن الوقائع التي تعد الميدان الرحب للسؤال الفلسفي والفضاء الشعري،
فالسؤال يفتتح أفق التعقل، مثلما هو يثري فضاء التأمل، فالتجربة العقلية هي التي
تعمق الشعور، مثلما الشعر من شانه أن يفتح شغف العمق في التجربة العقلية، إذاً هناك تداخل يمكن إدراكه بين الشعر
والفلسفة، وإن هذا التداخل لا يشكل أي من الثنائية الضدية بينهما، بل هو انتقال
من المحسوس إلى المجرد ويأخذ أشكالاً تعبيرية مختلفة، وقد لا ينطبق المعنى
الشعري على المنطلقات الفلسفية ولكن يتضمنه ولو بشكل جزئي، لأن الشعر تجربة
فردية غير منعزلة عن التجربة الفكرية، قد تختلف أساليب الطرح الفكري والاشتغال
الشعري، اختلافاً في اللغة والرؤى، ولكل اشتغال له شروطه ولكن البحث عن الحقيقة
يبقى هم الطرفين.
ألا يبدو تبعاً لذلك أن الهاجس الشعري برمته يسعى للكشف عن الحقيقة
وما عداه يذهب إلى الواقعة، وهذا الأمر هو الذي يشكل امتياز الشعر في لعبة
الإبداع، فهو يزدهر إذا ما حاول المسك بجمرة الحقيقة من أتون الوقائع, وتلك
المحاولة تدفعه لارتياد آفاق تعبيرية جديدة تفرضها التجربة على الشاعر وفي حدود
تصادماتها المستمرة، من هنا لا بد للتجربة الشعرية أن تكون في تقاطع مستمر مع
الوقائع أو بشكل أدق انقلاباً عليها, وهذا الانقلاب يصل بالشاعر (للكشف) مما
يولّد الانفصال المطلوب بين استدعاء الواقعة كما هي أو الكشف عن حقائقها، ومن
هنا نفهم أن الشعر يصدر عن الرؤيا التي تشتبك مع الطروحات الفلسفية.