متابعة ـ
الصباح الجديد:
في السنوات الأخيرة باتت الحروب محدودة
الأطراف والبعيدة جغرافيا بمثابة ساحة اختبار تراقبها الصين بدقة لتتفحص من
خلالها قدرات وآليات التعاطي الأميركي معها بعين الواقع، وفقا
لمحللين.
وغدت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران واحدة
من أهم وأحدث الأمثلة التي تقدم لبكين نموذجا حيا ومركبا يجمع بين عناصر التفوق
الجوي، وحرب الطائرات المسيرة، والضغط الاقتصادي، وحدود الصمود السياسي في
الديمقراطيات الغربية.
وبهذا المعنى نشرت صحيفة “ساوث
تشاينا مورنينغ بوست” سلسلة تحليلية من ثلاثة أجزاء تستكشف تأثير حرب إيران
على إعادة تشكيل حسابات بكين إزاء أي تحرك عسكري محتمل تجاه
تايوان.
إذ ترى الصحيفة أن الصين لا تتعامل مع هذه الحرب
كواقعة معزولة في الشرق الأوسط، بل تعتبرها مرآة تعكس ملامح أي صراع مستقبلي حول
الجزيرة، وبمثابة اختبار حقيقي لما تستطيع واشنطن أن تفعله وما تعجز عنه في مواجهة خصم صلب وقادر على
التحمل.
مختبر عملي
يصف أحد مقالات السلسلة
التحليلية الحرب على إيران بأنها “مختبر عملي للدروس العسكرية لبكين التي
تتابع عن كثب كيفية استخدام واشنطن لنقاط قوتها ومحاولة استمرارها في حملة مكلفة
ومحفوفة بالمخاطر السياسية”.
ورغم أن الجيش الأميركي لا
يزال قويا ومنضبطا وقادرا على نشر القوة الفتاكة بسرعة، فإن الحرب كشفت أن خصما
مصمما، يتمتع بصلابة وطنية، وقادرا على تحمل الضربات لا يمكن حسم المعركة ضده
بالقوة الجوية وحدها.
وفي هذا الصدد يقول الباحث ديفيد فينكلشتاين:
“إذا كان لديك خصم مصمم، فقد لا تكون القوة الجوية وحدها كافية لتحقيق
النصر، وهذا درس مهم للجميع، وهو كذلك بالتأكيد عند التفكير في
تايوان”.
أما بالنسبة للصين التي لم يخض جيشها حربا
فعلية منذ 1979، فتشكل هذه المواجهة فرصة نادرة لتشريح نقاط القوة والضعف
الأميركية في ظروف قتال حديثة، من دون أن تدفع هي نفسها ثمن
التجربة.
“أي رهان أميركي على حسم سريع فوق مضيق تايوان
عبر السيطرة على الأجواء سيكون أقل واقعية مما كان عليه في العقود
الماضية”.
جيش متطور
وتعيد الحرب على
إيران تذكير الصين بأنها أمام خصم “جيش متطور” يطور عقيدته باستمرار،
لكن جيش التحرير الشعبي نفسه يوصف أيضا بأنه “جيش متطور”، وقد سبق أن
دفعته صدمة حرب الخليج عام 1991 إلى إعادة توجيه البناء نحو الجودة والتكنولوجيا
والقوات البحرية والجوية والصاروخية.
ولأن التقنيات الحديثة
هي حديث الساعة اليوم، فإن تركيز بكين بمتابعتها ينصب أكثر على دور الذكاء
الاصطناعي في الأنظمة غير المأهولة، وصواريخ الأهداف الدقيقة، وأنظمة الاعتراض
ذات التكلفة العالية.
في هذا الإطار أوضح أحد المحللين
الصينيين المتقاعدين من سلاح الجو: “إن واشنطن وموسكو أخطأتا في افتراض أن
التفوق الجوي لا يزال مفتاح السيطرة على ساحة المعركة”، مؤكدا أن “هذا
الافتراض لم يعد قائما في الحروب الحديثة التي أعادت الطائرات المسيرة
تشكيلها”.
ما يعني للصين أن أي رهان أمريكي على حسم سريع
فوق مضيق تايوان عبر السيطرة على الأجواء سيكون أقل واقعية مما كان عليه في
العقود الماضية.
الفاعلية والتكلفة
من أهم
الدروس التي ترصدها الصين هي معادلة التكلفة في الحروب غير المتكافئة. فبينما
أسقطت الدفاعات الأميركية 92% من أهدافها في مواجهة هجمات إيرانية، فإن ذلك تم
باستخدام صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات مقابل طائرات مسيرة لا تتجاوز
كلفة الواحدة منها 20 ألف دولار.
هذه الفجوة جعلت الذخائر
الأميركية باهظة الثمن تستنزف بسرعة، وأصبحت السفن والطائرات والدبابات أكثر
عرضة للخطر أمام سلاح منخفض الكلفة وقابل للاستهلاك.
في
المقابل حققت إيران بمسيرات “معتمدة على مكونات صينية” أداء لافتا، إذ
قتلت جنودا أمريكيين وأسقطت ثلاث طائرات إف-15 أميركية.
لكن
الصين التي تمتلك الميزة الهجومية من خلال إنتاج المسيرات الرخيصة، تدرك في
الوقت نفسه أن خصومها يمكنهم استخدام السلاح ذاته لاستنزافها أيضا عبر معادلة
تكلفة معاكسة.
القدرة على الصمود
كما ميزت
الصحيفة في تحليلاتها بين قدرة الولايات المتحدة على إظهار تفوق تقني
واستخباراتي في المدى القصير، وبين قدرتها على الصمود في حرب طويلة
ومكلفة.
ونقلت عن الأكاديمية لي لينغ تشون من جامعة نان جينغ
قولها إن تقييم بكين لصمود واشنطن يركز على الأداء الميداني والدعم المادي بشكل
أساسي، ولكن أيضا على “الدعم السياسي والتأثير
الدولي”.
فمن الناحية السياسية، تواجه الولايات المتحدة
احتجاجات داخلية رافضة للحرب، وانقسامات في الإدارة، وإغلاق بعض الحلفاء
لأجوائهم أو قواعدهم أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الهجمات على
إيران.
ويعلق الباحث جاو هاي بهذا الخصوص بقوله: “إن
واشنطن دخلت الحرب على إيران من دون أهداف إستراتيجية واضحة، محذرا من أن إطالة
أمد الصراع قد يقوض العزيمة الأمريكية وقدرتها على الصمود في زمن
الحرب”.
وبذلك فإن هذه المؤشرات بالمنظور الصيني، تغذي
قناعة بأن الولايات المتحدة قد تملك قدرة ضاربة عالية، لكنها تعاني “عجزا
إستراتيجيا” حين تحاول الحفاظ على التوازن بين التزاماتها في الخليج والشرق
الأوسط وجاهزيتها العالمية خاصة في غرب المحيط الهادئ.