متابعة ـ الصباح
الجديد:
عادت احتمالات استئناف المفاوضات بين إيران والولايات
المتحدة إلى الواجهة، بعد تصريحات جديدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها
إن طهران تريد إبرام صفقة، وإن فرص التوصل إلى اتفاق معها “كبيرة”، بل
وإن الاتفاق قد يتم “قريبا”، مع حديثه أيضا عن إمكان عقد جولة جديدة
خلال عطلة نهاية الأسبوع.
لكن هذه الرواية الأميركية
المتفائلة قوبلت برد إيراني سريع ينفي حصول اختراق جديد حتى الآن، ويؤكد أن ما
يجري لا يزال في إطار تفاهم سابق ومسار تفاوضي لم يُحسم
بعدُ.
في أحدث مواقفه، رفع ترمب سقف التوقعات إلى حد قوله إن
إيران “وافقت تقريبا على كل شيء”، وإنها قبلت بعدم امتلاك سلاح نووي،
كما لمّح إلى أن جولة جديدة قد تُعقد قريبا، وربط استمرار الانفراج بإتمام الاتفاق
كاملا.
لكنه أبقى عنصر الضغط قائما، معلنا أن الحصار البحري
الأميركي على إيران سيظل “بكامل قوته” إلى أن تُنجز الصفقة
النهائية.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني عبر أكثر من مستوى.
فالمتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي قال إنه لا تفاهم جديدا تحقق حتى الآن،
وإن التفاهم القائم هو نفسه تفاهم وقف إطلاق النار المعلن في التاسع من
نيسان.
كما شدد على أنه لا حديث حتى الآن عن تمديد الهدنة،
وأن الجهود الإيرانية والباكستانية تركز على تهيئة شروط إنهاء كامل للحرب، لا
على إنتاج تفاهم جديد.
أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف
فذهب إلى أبعد من مجرد التحفظ، إذ هاجم مباشرة رواية ترمب واعتبر أن ادعاءاته
الأخيرة “كذب”، مؤكدا أن استمرار الحصار يعني أن مضيق هرمز لن يبقى
مفتوحا، وأن إدارة المرور فيه تخضع للميدان وللقرار
الإيراني.
أهمية هذا الموقف أنه يكشف وجود تشدد إيراني داخلي
واضح حيال تضخيم الحديث الأمريكي عن التقدم، ويشير إلى أن أي جولة ثانية -إن
انعقدت- ستدخلها طهران بخطوط حمراء معلنة، لا بروح قبول سريع بالشروط الأمريكية.
ورغم
هذا التباين لا يمكن القول إن المسار انهار، إذ تشير المعطيات إلى أن القناة
التفاوضية لا تزال مفتوحة، وأن باكستان لا تزال وسيطا رئيسيا فيها، إذ زار قائد
الجيش الباكستاني عاصم منير طهران هذا الأسبوع أملا في الدفع نحو مزيد من المحادثات
بين واشنطن وطهران قبل انتهاء وقف إطلاق النار.
ويكتسب الدور
الباكستاني وزيارة طهران أهمية إضافية لأنهما تزامنا مع وقف إطلاق النار بين
إسرائيل ولبنان، وهو تطور تقول إيران إنه كان جزءا من الشروط الضرورية لتثبيت
التفاهم القائم.
وقد دخلت هدنة من 10 أيام حيز التنفيذ بين
لبنان وإسرائيل، وفي الرواية الإيرانية لم يكن شمول لبنان تفصيلا جانبيا، بل
جزءا من سلة أوسع مرتبطة بإنهاء الحرب كليا.
لكن لا يزال هناك
فارق بين بقاء القناة التفاوضية مفتوحة وبين القول إن الجولة الثانية أصبحت
محسومة. فحتى الآن لا يوجد إعلان رسمي عن موعدها، كما أن القضايا الخلافية
الأساسية لم تُحسم نهائيا، وفي مقدمتها الحصار البحري، وملف هرمز، ومصير
اليورانيوم المخصب، وبنية أي اتفاق مقبل، أي هل هو تفاهم مؤقت يمدد الهدنة أم
صفقة أوسع؟
يرى المحلل السياسي رضا غبيشاوي أن إيران تتجه
“بالتأكيد” نحو جولة أخرى من المفاوضات مع الولايات المتحدة، انطلاقا
من أن طهران ما زالت تعطي الأولوية للحلول الدبلوماسية والسياسية على الخيار
العسكري، رغم أنها أظهرت خلال حرب الأيام الأربعين استعدادها أيضا لمواجهة
عسكرية إذا فُرضت عليها.
ويقول إن السجل السابق يبين أن إيران
دخلت مرتين في مسار تفاوضي مع واشنطن وانتهت إلى تفاهمات سياسية، لكن الولايات
المتحدة هي التي أجهضت هذا المسار وانتقلت لاحقا إلى العمل العسكري.
ويضيف
أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا مرارا أنهم يرحبون بالحلول السياسية والمفاوضات،
وأن طهران تسعى حاليا إلى حل سياسي يضع حدا نهائيا وكاملا ودائما
للحرب.
ويستند غبيشاوي أيضا إلى ما جرى في إسلام آباد بوصفه
مؤشرا على جدية إيران في التفاوض، قائلا إن طهران دخلت المفاوضات هناك بشكل
مباشر، لا بصورة غير مباشرة كما كان يحدث في السابق، وذلك للمرة الأولى منذ
انسحاب ترمب من الاتفاق النووي عام 2018.
كما أشار إلى أن
مستوى المشاركة الإيرانية كان أعلى من المعتاد، إذ جرت المفاوضات على مستوى يفوق
وزير الخارجية، في حين طلبت طهران تمثيلا أمريكيا أعلى من مستوى المبعوث
الرئاسي، أي على مستوى نائب الرئيس، معتبرا أن لقاء رئيس البرلمان الإيراني مع
نائب الرئيس الأمريكي مثّل أعلى مستوى من التفاوض بين البلدين منذ 45 عاما.
وبرأيه،
فإن إيران لم تدخل جولة باكستان لمجرد إدارة الأزمة، بل سعيا إلى نتيجة فعلية،
بدليل أنها طرحت هذه المرة حلا شاملا وكاملا للخلافات، لا الاكتفاء بالملف
النووي وحده، بما في ذلك مطلب رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية في مختلف
المجالات، وهو ما يعني -بحسب تقديره، أن أي تسوية جدية تقتضي حوارا
أوسع
وعن الذي تغير منذ إعلان فشل المفاوضات، يقول غبيشاوي إن
“شيئا جوهريا لم يتغير”، لكن لا يزال هناك وقت ضمن مهلة وقف إطلاق
النار الممتدة أسبوعين، مما يعني أن نافذة التفاوض والاتفاق السياسي لا تزال
مفتوحة.
ويضيف أن وصف ما جرى في إسلام آباد بأنه
“فشل” كامل ليس دقيقا، لأن تلك الجولة كانت مجرد مرحلة أولى لم تُفضِ
إلى اتفاق، من دون أن يعني ذلك نهاية المسار.