


د. زهير ياسين شليبه
طارق .. الرقص مع الأفاعي .. نقد لاذع لمظاهر المجتمع العراقي
الدكتورڈأكاديمي مغترب عراقي دَنمَركي عصامي بامتياز، عانى ما عاناه مجايليه من صعوبات ومعاناة، اجتاز طريقه نحو الماجستير والدكتوراه في الدنمرك، بعد أن حصل على البكالوريوس في بلده عراق السبعينات! وهو اليوم من الوجوه الثقافية المهمة في الدنمرك، يحق للعراقيين الافتخار به.
“طارق.. الرقص مع الأفاعي” روايته الأولى (2008) والأخيرة حتى يومنا هذا، ولا ندري هل سيتحف القرّاء بأخرى تتميز بالجرأة عينها التي عرّى فيها ظواهر المجتمع العراقي السلبية.
يقوم معمار هذه الرواية على نوعٍ من التناص، حيث نجد هنا مخطوطاً مكتوباً من قبل بطل الرواية طارق، يسلّمه إلى صديقه الذي يمثل شخصية الراوي (الخفي) ليقدّمه إلى المتلقي على شكل سردي مباشر.
أربعة أعمدة، شاءَ الكاتب تسمية كلٍّ منها كالتالي: الكتاب الأول 168 صفحة والثاني 50 صفحة والثالث 63 صفحة والرابع 28 صفحة بأحجام مختلفة بعدد الصفحات كما نرى، لكن هناك “فصول” داخلية أخرى محددة بعناوين تشير إلى مضامينها. ويمكننا القول إنها رواية يمكن تقسيمها إلى عدة روايات قصيرة تتداخل فيها سير الأحداث.
فإذن نحن أمام رواية مليئة ب “فضائح” مستمدة من مجتمع محافظ، قرأتُها كقارئ ولم أستطع منع نفسي من الضحك بصوتٍ عالٍ! فقد كان الروائي على قدر كبير من الجرأة للكتابة عنها بسخرية لاذعةٍ يصعب تصوّر حقيقة حدوثها في مجتمعنا العراقي المحافِظ!
نقرأ في “فصل” “دلّوعة” وهو اسم دابّة في البستان، ضمن الكتاب الأول من الرواية: “كانت الخلوة في البساتين ممتعةً، تتيح لهما العمل والتحدث على هواهما…. كان كل منهما قد جرّبَ.. الهزة الخفيفة اللذيذة التي يسببها التلامس بين جسده وظهر الدابّة حين يمتطيها، …سرعان ما كسرا حاجز الخجل. كان أحدهما يتولّى التنصت والمراقبة، بينما الآخر يثبّت على الأرض أي شيء … يقف عليه كيما يبلغ علو الحمار، … يحاول إدخال قضيبه في … الحيوان … ويتمرّد … ويصيح الصبي الآخر.. “كفى، إنه دوري الآن”.
أنظر: طارق الرقص مع الأفاعي. 2008 دار الرافدين ص 18.

إنها مقدرة كبيرة على تلمّّس خيوط هذه الظواهر الخفيّة ومتابعتها قبل التمكّن منها والإحساس بجرأة تجاوز التابوهات للكتابة عنها من أجل تعرية المجتمع. وهذه الرواية غنيّة بمثل هذه الصور، ففي فصل “المدينة الفاضلة” يصوّر الروائي الدكتور عمر ظاهر فضائحَ الشاذ مدير المدرسة الحاج احمد واستغلال التلاميذ الصغار. والشيء ذاته يُذكر عند وصفه لشخصية صاحب المقهى شعبان، الذي يستدرج هو أيضاً الصغار رغبة منه في |”كسر عيون”، أهل الطائفة الأخرى، الذين ينظرون إليه بازدراء كونه من مذهب آخر أدنى، وهكذا يشرّح الكاتب مجتمع المدينة الصغيرة بعمق لبيان الواقع، وهو من أهم مقومات الرواية!
ولم يكتفِ الروائي بوصف الشذوذ الجنسي أو استغلال التلاميذ الأطفال فحسب، بل استخدامه كأداة للتسقيط السياسي. ولم ينسّ الروائي السخرية من بعض “العباقرة والفطاحلة” من الأدعياء المثقفين الذين يتظاهرون بانتمائهم للأحزاب السياسية لغرض الشهرة والادّعاءات الفارغة مثل المعلم رزاق.
يقول الراوي “حتى معلم المدرسة عبد الرزاق لم يعد شيوعيّاً، فقد قدّمَ للشرطة، … وبشكل خطّي براءته من الحزب الشيوعي، … ربما لم يكن شيوعيّاً ابداً، بل كان قد وضع على وجهه قناعاً ظنّه جميلاً، فصحيفته التي كان يلفها على شكل أسطوانة ربما لم يكن يفتحها أبداً ليقرأ ما فيها … يرسّخُ تلك النظرة عن كونه شيوعيّاً باستمراره في حمل جريدة مطويّة”. ص 149 المصدر ذاته.
والآن لنحاول تسليط الضوء على مضمون الرواية باختصار، إنها تصوّر تجربة حب خائبة تدفع الطالب الجامعي ذا الانحدار الريفي، طارق، إلى البحث عن الهدوء والطمأنينة في الاستيقاظ لصلاة الفجر في المسجد كل يوم، دون أن يدري أنه بذلك يلقي بنفسه في عين الإعصار السياسي الذي كان يعصف بالعراق عشية الحرب العراقية- الإيرانية.
طارق، الشاب العصامي الذي يوصل نفسه بشق الأنفس إلى الجامعة، ليشكل نقلة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ عائلته، والذي يتجنب، لأسباب وجيهة، السياسة والسياسيين، يُعتقل بشبهة انتمائه لجماعة دينية سياسية معارضة، وتوجه إليه تهمة نقل شفرات سرية إليها (جماعته). لكنه بعد أيام من التعذيب الوحشي، وبعد إجباره على إطلاق ألفاظ بذيئة على أمه، يطلق سراحه بتدخل مباشر من مسؤول أمني. ويكون أول همومه بعد إطلاق سراحه أن يزور قبر أمه، فتأتي الزيارة لتقدم دليل إثبات على التهمة التي كانت قد وجهت إليه. وحين يدرك طارق أن الموت يلاحقه، يصبح همه الأول أن يوصل دفتر مذكراته إلى من يأتمنه عليه، أحد أصدقائه الفكريين، ثم يختفي دون أثر.
ويقوم هذا الصديق، بعد أن يطلع على مذكرات طارق، وحين تتاح له أول فرصة، بتحري مصيره، فيسمع بإعدامه، فيقرر الوصول إلى حقيقة ما جرى لطارق من خلال المفتاح الوحيد إلى قصته، تلك الفتاة التي أحبطته ودفعته إلى التدين هرباً من المشاعر الساحقة.
يعرض الصديق مذكرات طارق على شكل رواية تتناول النفاق السياسي والاجتماعي والديني في العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، موجهاً النقد القاسي، ليس إلى السلطة وحدها أو رجال الأمن وحدهم، بل إلى الجميع، فلا ينجو من سياطه لا الشيوعيون ولا رجال الدين ولا أساتذة الجامعة، ولا حتى المواطن العادي، ولا غيرهم. فـرواية طارق ليست عن علاقة الشعب بالسلطة في العراق، بل رواية عن علاقة الإنسان العراقي بغيره من العراقيين، وعن موقفه من السياسة والدين والجار واليتيم والضعيف والقوي. وهذه العلاقة هي في الغالب الأعم غير إيجابية، بل يشوبها الكثير من العدوانية. ولعل عبارة “أريد أن أكسر عينه”، التي ترد على لسان أكثر الشخصيات، خير تعبير عن هذه العدوانية.
والرواية أيضاً محاولة لتصوير مأساة الإنسان العراقي على ضوء ما يدور في دواخل هذا الإنسان.
وهذا ما يظهر بوضوح كبير في شخصية الفتاة التي دفعت بسلوكها الغريب طارق إلى الاستيقاظ إلى صلوات الفجر في المسجد، إذ تبرز في آخر الرواية لتلقي الكثير من الضوء على الصراع الذي يعصف بالإنسان العراقي في دواخله، الصراع بين الملائكية والشيطانية.
وهكذا، فإن الرواية تقول لنا الكثير عن مأساة الإنسان العراقي، لكنها تترك الحكم على أسبابها للقارئ.
——
* أستاذ جامعي سابقاً، ناقد وروائي وقاص ومترجم عراقي مقيم في الدنمرك
* طارق .. الرقص مع الأفاعي. دار نشر الرافدين 2008