متابعة ـ
الصباح الجديد:
في استنساخ لنموذج “قضم الأراضي تحت
دواعٍ أمنية” المطبق في قطاع غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي، إقامة خط أصفر
فاصل في جنوب لبنان، في توجه واضح لترسيخ واقع ميداني دائم، يعكس أطماع تل أبيب
التوسعية.
وفي تطبيق عملي للواقع الميداني الجديد، أعلن الجيش
الإسرائيلي رصد واستهداف من وصفهم بـ”الإرهابيين” بحجة اقترابهم من
شمال الخط الأصفر بلبنان، في صورة زعم أنها شكلت “تهديدا مباشرا”
لقواته. وأضاف أنه مخول بالتحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق
النار.
ويعكس هذا الطرح تصورا أمنيا أوسع يستند إلى تصريحات
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول إقامة منطقة أمنية تمتد من جنوب
لبنان حتى حوض اليرموك في سوريا، بهدف ربط المناطق الحدودية ضمن نطاق عازل
متصل.
ما مفهوم الخط الأصفر؟ وسبب
التسمية؟
تطلق إسرائيل هذا المصطلح على الواقع الديمغرافي
المستحدث داخل أراضي قطاع غزة ولبنان، والذي تحاول تل أبيب من خلاله ترسيخ واقع
ميداني دائم عبر إنشاء منطقة خاضعة للسيطرة العسكرية أو النارية.
وسبق
أن تداولت وسائل الإعلام الإسرائيلية طرح تل أبيب بشأن فرض شريط حدودي خالٍ من
السكان في لبنان، لا يقتصر الهدف منه على الانتشار العسكري، بل يشمل منع عودة
المدنيين، بما يكرّس واقعا ديمغرافيا جديدا في تلك المناطق، وهو ما جرى تطبيقه
بالفعل في قطاع غزة.
علاوة على ذلك، يشكل هذا “الواقع
الجديد” ورقة ضغط إسرائيلية في أي مفاوضات أو مباحثات مستقبلية، إضافة إلى
استخدامه ،بحكم التجربة في غزة، كحجة وتبرير لأي خروق لاتفاق وقف إطلاق النار
واستهداف المدنيين.
أما فيما يتعلق ببيان سبب اختيار هذا
اللون تحديدا، فلم يصدر أي تعليق رسمي إسرائيلي يوضح الدلالة الرمزية وراءه، إلا
أن المعالم الميدانية الأبرز لهذا المصطلح تتمثل في المكعبات الأسمنتية الضخمة
المصبوغة بالأصفر، والتي وضعها الجيش الإسرائيلي لترسيم حدود انتشاره في قطاع
غزة.
وبشكل عام، فإن اللون الأصفر يصنف عالميا كلون للتحذير
والتنبيه من الخطر، وهو ما ينسجم مع طبيعة هذه المناطق التي يعتبرها الجيش
الإسرائيلي “مناطق عازلة” أو مناطق إطلاق نار يُمنع على المدنيين
تجاوزها.
وينضم هذا “الخط الأصفر” إلى ذاكرة من
الخطوط الملونة في تاريخ إسرائيل مع الأرض، والتي كان من
أبرزها:
ما فلسفة الخط الأصفر في العقيدة
الإسرائيلية؟
أجاب الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن
جوني على هذا التساؤل مبينا أن “الخط الأصفر” في العقيدة الإسرائيلية
لا يُفهم كإجراء تكتيكي فحسب، بل كأداة لإعادة تعريف الحدود مؤقتا، وربطها بشروط
سياسية وعسكرية، كما حدث في غزة حيث ارتبط استمرار الخط بشرط نزع سلاح حركة
حماس.
وأشار العميد جوني ، إلى أن تطبيق هذا المفهوم في جنوب
لبنان يعني ربطه بملف سلاح حزب الله، ما يحول الخط إلى وسيلة ضغط إستراتيجية
تتجاوز البعد الميداني المباشر.
ولفت إلى أن المنطقة الواقعة
بين الخط الأزرق والخط الأصفر في لبنان تتحول ،وفق هذا النموذج، إلى “منطقة
إطلاق نار حرة”، بما يعني إفراغها من السكان وتحويلها إلى ساحة عمليات
مفتوحة، تُستخدم كخط دفاع متقدم ونقطة انطلاق لعمليات هجومية
محتملة.
ما حدوده في غزة ولبنان؟
تُظهر
المعطيات أن المشروع في لبنان يستهدف نحو 55 بلدة وقرية تقع خارج هذا الخط، مما
يعني إخضاعها لوجود عسكري إسرائيلي ضمن شريط بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات
على طول الحدود.
وأشار إلى أن هذا الواقع ،إذا ما جرى تثبيته،
يعني عمليا إفراغ مناطق واسعة من سكانها، وهو ما يطرح تداعيات ميدانية
وديمغرافية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
أما في غزة فقد
مكّن “الخط الأصفر” الجيش الإسرائيلي من فرض تهجير قسري للسكان نحو
مناطق محددة، والسيطرة على ما بين 52% و60% من مساحة
القطاع.
ويمتدّ الخط على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين
كيلومترين و7 كيلومترات، مصنفا تلك المساحة إلى مناطق خطرة خاضعة لسيطرة الجيش
الإسرائيلي، ورغم كونه خطا افتراضيا في الأصل، فقد ثبّت الجيش الإسرائيلي كتلا
أسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانيا، مُحوّلا إياه إلى حزام واضح يمثل نطاق
تمركز قواته ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.
هل هناك فروق بين
الخطين الأصفرين في لبنان وغزة؟
يتمثل الفارق الرئيس بين
الخطين في أن الخط الأصفر في غزة جاء ضمن اتفاق مرحلي، بينما يُطرح في لبنان
كقرار إسرائيلي أحادي، ما يجعله عرضة لمواجهة سياسية وربما عسكرية، خاصة في ظل
اختلاف الجغرافيا والسياق.
ففي غزة، جاء اتفاق وقف إطلاق
النار في تشرين الأول 2025 بعد 735 يوما من حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في
القطاع، ونص الاتفاق في مرحلته الأولى على انسحاب قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي
نحو الخط الأصفر.
وينص الاتفاق في مرحلته الثانية على انسحاب
إسرائيل بالكامل خارج قطاع غزة -وهو ما لم تطبقه تل أبيب- مؤكدة أنها لا تنوي
الانسحاب شرق الخط الأصفر في غزة حتى إحراز تقدم في نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية
(حماس).