قراءة في
كتاب “القاهرة من أبواب متفرقة”
إلياس
الخطابي
ليس من السهل أن نضع كتاب “القاهرة من أبواب
متفرقة” ضمن خانة واحدة، لأن النص الذي يقدمه الكاتب والشاعر المغربي عبد
اللطيف الوراري يتجاوز التصنيف البسيط الذي يحصره في أدب الرحلة، ويتجاوز في
الآن نفسه حدود السيرة العابرة أو اليوميات التي تكتفي بتسجيل ما وقع في الطريق.
إننا أمام كتابة تتخذ من السفر ذريعة، ومن المدينة مدخلا، ومن الذات أفقا مفتوحا
للتأمل، حيث لا تصبح القاهرة مجرد مكان يزار، وإنما تتحول إلى نص مواز، وإلى
كيان حي يتكلم بلسان التاريخ والكتب والوجوه والذاكرة. ومن هنا فإن القراءة في
هذا العمل لا تقودنا إلى تتبع خطى الشاعر في شوارع المدينة فقط، وإنما تقودنا
أيضا إلى تتبع خطى الوعي وهو يعيد اكتشاف نفسه عبر الاحتكاك بمدينة لها من الثقل
الرمزي ما يجعل كل خطوة فيها امتدادا لقرون طويلة من الثقافة والاضطراب
والحياة.
يبدأ الكتاب من لحظة تبدو في ظاهرها بسيطة، سفر رفقة
الصديق الشاعر المغربي إدريس علوش. غير أن هذه الصحبة لا تقدم بوصفها تفصيلا
عابرا، بل بوصفها جزءا من مناخ إنساني يضفي على الرحلة طابعها الحميمي. فالسفر
هنا ليس انتقالا جغرافيا فحسب، بل هو أيضا انتقال في الحالة الداخلية، حيث
تتقاطع الصداقة مع التأمل، والحديث العابر مع الأسئلة الكبرى، واللقاء اليومي مع
الإحساس بأن المدينة التي يطآنها ليست مدينة عادية. لذلك لا يسرد الوراري رحلته
على نحو خطي، ولا يكتفي بتسجيل ما رآه، بل يكتب كما لو أنه يختبر نفسه في مواجهة
مدينة لها قدرة غريبة على استدعاء الذاكرة الثقافية، وعلى فتح أبواب كثيرة في آن
واحد، أبواب لا تؤدي كلها إلى المكان نفسه، لكنها تؤدي كلها إلى معنى واحد، وهو
أن القاهرة لا ترى دفعة واحدة، بل تقرأ من زوايا متعددة، ومن أبواب متفرقة كما
يشير عنوان الكتاب بذكاء واضح.
ومن أبرز ما يميز هذا العمل أن
الكاتب لا يقف عند حدود المشاهدة، بل يدخل في حوار عميق مع تاريخ المدينة.
فالقاهرة في هذا الكتاب ليست مجرد شوارع وأسواق ومقاه وفضاءات أخرى فحسب، وإنما
هي طبقات متراكمة من الزمن، تتجاور فيها أسماء الكتاب والشعراء والمفكرين مع
أسماء الأحياء والميادين. وكأن الوراري، وهو يسير في المدينة، لا يسير وحده، بل
يسير في صحبة كتب كثيرة، وفي ظل أصوات سبقت وجوده بسنوات طويلة. لذلك تتداخل في
النص الإحالات الثقافية مع المشاهد اليومية، ويتحول المكان إلى فضاء للقراءة
بقدر ما هو فضاء للرؤية. فحين يذكر الكاتب اسما من أسماء الأدب أو يستعيد حادثة
من تاريخ الثقافة، فإنه لا يفعل ذلك على سبيل الاستعراض، وإنما يفعله لأنه يشعر
أن المدينة نفسها لا يمكن فهمها إلا عبر ما كتب عنها، وما كتب فيها، وما خرج
منها من أصوات تركت أثرها في العالم العربي كله.
لكن ما يمنح
الكتاب عمقه الحقيقي هو ذلك التوتر الجميل بين الخارج والداخل، بين المدينة كما
هي في الواقع، والمدينة كما تنعكس في ذات الكاتب. فالقاهرة التي يصفها الوراري
ليست هي القاهرة وحدها، بل هي أيضا صورته الخاصة عنها، وانطباعه الذي يتشكل لحظة
بلحظة. ولهذا نجد أن النص يتخلله قدر واضح من التأملات الذاتية، حيث تتراجع
الحكاية أحيانا لتتقدم الفكرة، ويتراجع الوصف ليظهر السؤال. إن الكاتب لا يخفي
حضوره في النص، ولا يتوارى خلف الموضوع، بل يترك لوعيه أن يتكلم، ولذاكرته أن
تتدخل، ولإحساسه الشخصي أن يلون المشهد. ومن هنا تأتي خصوصية هذا الكتاب، لأنه
لا يقدم مدينة جاهزة للقارئ، بل يقدم تجربة ذاتية في اكتشاف المدينة، وهي تجربة
تتشكل من تفاصيل صغيرة، ومن لحظات صمت، ومن انطباعات قد تبدو عابرة لكنها تكشف
الكثير عن علاقة الإنسان بالمكان.
وتزداد هذه الخصوصية وضوحا
في الطريقة التي يتعامل بها الوراري مع واقع القاهرة المعاصر. فهو لا يكتفي
باستحضار التاريخ، ولا يكتفي بالإعجاب بسحر المدينة الثقافي، بل يلتفت أيضا إلى
ما فيها من تناقضات، وما تحمله من ازدحام وصخب وتعب يومي. غير أن هذه النظرة
الواقعية لا تتحول إلى شكوى، ولا إلى حكم سريع، بل تبقى جزءا من محاولة الفهم.
وكأن الكاتب يدرك أن المدن الكبيرة لا تحب من خلال جمالها فقط، بل تحب أيضا من
خلال ما فيها من فوضى، ومن خلال ما تفرضه على زائرها من تعب. لذلك تبدو القاهرة
في الكتاب مدينة مزدوجة، مدينة للكتب والذكريات، ومدينة للضجيج والحياة
اليومية.
وإذا كان العنوان يشير إلى أبواب متفرقة، فإن هذه
الأبواب لا تتعلق بالمكان وحده، بل تتعلق أيضا بالكتابة نفسها. فالنص يتقدم في
شكل مقاطع وتأملات، لا يجمعها خيط الحكاية بقدر ما يجمعها خيط الإحساس. وهذا
الأسلوب يمنح الكتاب طابعا حرا، يسمح للكاتب بأن ينتقل من مشهد إلى فكرة، ومن
ذكرى إلى قراءة، ومن لقاء عابر إلى تأمل طويل، دون أن يشعر القارئ بانقطاع. بل
إن هذا التشتت الظاهري هو ما يمنح النص وحدته العميقة، لأن ما يجمع هذه المقاطع
ليس التسلسل الزمني، بل الرؤية التي ترى في المدينة مجالا لا ينتهي
للاكتشاف.
وفي النهاية يمكن القول إن القاهرة من أبواب متفرقة
ليس كتابا عن رحلة فقط، ولا عن مدينة فقط، بل هو كتاب عن العلاقة المعقدة بين
الكاتب والمكان، والذاكرة والواقع، وبين القراءة والحياة. وهو نص يثبت أن أدب
الرحلة، حين يكتبه شاعر يمتلك حساسية عالية تجاه اللغة والتاريخ، يمكن أن يتحول
إلى كتابة تأملية غنية تتجاوز الوصف إلى التفكير، وتتجاوز الحكاية إلى البحث عن
معنى الوجود في مدينة تبدو، كلما اقتربنا منها، أكثر اتساعا مما نظن. ولذلك يخرج
القارئ من هذا الكتاب وهو يشعر أنه لم يزر القاهرة فحسب، بل زار أيضا عالما
داخليا يتشكل من الكلمات ومن الذكريات، ومن تلك اللحظات النادرة التي يلتقي فيها
السفر بالكتابة، فتتحول الرحلة إلى معرفة، ويتحول المكان إلى مرآة
للذات.