
انتصار عبد الحسن كاظم
تُعد التربية
والتعليم في العراق أكثر من مجرد نظام مدرسي أو مناهج دراسية، إنها حكاية صمود
إنساني تتجدد فصولها كل يوم بين جدران قد تكون متعبة، لكنها تحتضن أحلاماً لا
تعرف التعب. فالحديث عن التعليم في بلادي بلاد الرافدين هو حديث عن تاريخ عريق،
وعن إرادة لم تنكسر رغم ما مرَّ بها من محن،
ولا يمكن تناول
هذا الموضوع بمعزل عن التجربة الحية التي عشتها وعاشها أبناء هذا البلد داخل
الصفوف، ومنهم المعلمون الذين كانوا وما زالوا عماد العملية التعليمية. فقد عشنا
التعليم في أحلك الظروف، دخلنا المدارس زمن الحرب، نحمل في قلوبنا قلقاً لا يشبه
اعمارنا، ومع ذلك كنا نتمسك بكتبنا كأنها طوق نجاة. ثم واصلنا رسالتنا في سنوات
الحصار، حيث شحت الإمكانيات إلى حدٍ كبير، لكن العطاء لم ينقطع. لم يكن التعليم
آنذاك مجرد مهنة، بل كان أشبه بجهادٍ يومي، قائم على الصبر، كنا نعلم بما توفر،
ونمنح اكثر مما نملك ونخفي تعبنا خلف ابتسامة، مهما قست الظروف. ورغم هذه
التحديات, يبقى المعلم العراقي نموذجاً حقيقياً للعطاء. فهو لا يكتفي بنقل
المعرفة، بل يؤدي دوراً انسانياً عميقاً، يحتضن طلبته، ويدعمهم نفسياً، ويزرع
فيهم الامل. وفي مجتمع مرَّ بظروف قاسية، تغدو المدرسة مساحة للأمان، ومكاناً
يتعلم فيه الطفل قيم التسامح والتعايش قبل ان يتعلم القراءة
والكتابة.
وربما لا تختصر هذه الرحلة بكلمات، لكنها تسكن
تفاصيل صغيرة لا تنسى في نظرة طالب فهم الدرس أخيرا، او في ابتسامة خجولة لطفلة
شعرت للمرة الأولى انها قادرة على الحلم.
ان النهوض بالتعليم
في العراق لا يقتصر على تحسين الأبنية او تحديث المناهج، على اهميتها بل يتطلب
رؤية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان اولاً. فاحتضان الطاقة الشابة وتوفير بيئة
محفزة وتقليص الفجوة الرقمية كلها خطوات أساسية نحو مستقبل أفضل كما أن الاهتمام
بالمعلم مادياً ومعنوياَ هو الركيزة التي لا يمكن لأي اصلاح ان ينجح
دونها.
وفي الختام يبقى التعليم في العراق رهاناً قائماً على
الامل. فهذه الأرض انجبت اولى الحروف قادرة على أن تُنبتها من جديد مهما اشتدت
الازمات، وسيظل القلم في يد الطالب العراقي رمزاً لمستقبل يُكتب بإرادة لا تعرف
الانكسار، وبأيمان عميق بأن التعليم ليس مجرد وسيلة للحياة بل هو الحياة في أسمى
معانيها.